صالح الهجر: الحرف العربي ذاكرة بصرية تحكي معاناة السوريين وتجربة الاعتقال


هذا الخبر بعنوان "الحرف في مواجهة الصمت.. ذاكرة صالح الهجر تتشظى على سطح اللون" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق-سانا: لا يقتصر تناول الفنان السوري صالح الهجر للخط العربي على كونه مجرد وسيلة للكتابة، بل يتجاوز ذلك ليقدمه ضمن رؤية بصرية معاصرة، تتحول فيها الحروف إلى عناصر تشكيلية مستقلة بذاتها. في هذا السياق، يتراجع البعد القرائي للنص ليحل محله حضور بصري مكثف يزاوج ببراعة بين الذاكرة والتشكيل الحديث.
تتجسد هذه المقاربة الفنية بوضوح في إحدى لوحاته التي عرضها ضمن معرضه “من جدران الزنزانة” في المتحف الوطني بدمشق. فقد انتشرت فيها تكوينات خطية متداخلة ضمن فضاء لوني متدرج، ما أضفى على العمل إيقاعاً بصرياً آسراً ومميزاً. لا يكتفي عمل الهجر بالتجريب الشكلي، بل ينفتح على تجربة إنسانية عميقة، حيث تستحضر اللوحة معاناة السوريين بشكل عام، وتجربة الفنان الشخصية في الاعتقال داخل سجون النظام البائد، لتغدو مساحة تختزن الألم والذاكرة، ويصبح الحرف فيها شاهداً بصرياً على القمع والانكسار.
في قراءة نقدية للعمل، يرى الفنان التشكيلي الفلسطيني محمد الركوعي، الذي عانى بدوره تجربة الاعتقال، في تصريح خاص لـ سانا، أن هذه التجربة تستدعي إرثاً غنياً من الكتابات المرتبطة بذاكرة السجن، بما تحمله من شحنة إنسانية عالية. تنعكس هذه الشحنة بوضوح في البناء البصري للعمل، حيث تتحول اللغة من مجرد وسيلة تعبير إلى مادة تشكيلية أساسية تُبنى عليها اللوحة.
يشير الركوعي إلى أن مقاربة الهجر في لوحاته تندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ “التشكيل الخطي”، وهو اتجاه فني يستلهم التراث الإسلامي العريق في الزخرفة والخط، لكنه يعيد تقديمه برؤية معاصرة، تجعل من الحرف عنصراً بصرياً متحرراً من وظيفته التقليدية. كما يلفت إلى أن أعمال الهجر تتميز بالاعتماد على تدرجات لونية متداخلة، تخلق ما يشبه المدرج البصري، حيث تتمازج الخطوط مع الخلفية في حالة من الانسجام التام، ما يمنح اللوحة طابعاً تجريدياً واضحاً ويجعل قراءة النصوص غير مباشرة، دون أن يفقد العمل حضوره الفني القوي.
يصف الركوعي تجربة الهجر بأنها حالة بصرية مشحونة بالدلالات، حيث توحي التدرجات اللونية الداكنة بإحساس الاختناق والعزلة، وتعكس تجربة إنسانية قاسية دون الوقوع في المباشرة. مبيناً أن هذه التجربة تندرج ضمن مسار أوسع في الفن العربي المعاصر، يسعى إلى إعادة قراءة الخط العربي خارج وظيفته التقليدية، وإدخاله في حوار بناء مع التشكيل الحديث.
تبرز خصوصية هذه اللوحة، برأي الركوعي، في قدرتها الفائقة على تحقيق توازن دقيق بين الجذور التراثية العميقة والانفتاح على التجريب الفني، وذلك عبر إعادة توظيف الماضي ضمن رؤية جديدة تجعل من الخط موضوعاً للرؤية والتأمل. إنها تجربة تفتح المجال أمام تأويلات متعددة، وتؤكد قدرة الخط العربي على التجدد ومواكبة تحولات الفن المعاصر دون أن يفقد هويته الأصيلة.
صالح الهجر هو فنان تشكيلي وخطاط سوري معاصر، عُرف باشتغاله على دمج الخط العربي مع الفن التشكيلي، في تجربة فنية تسعى إلى توثيق الذاكرة الإنسانية والسياسية في سوريا. يتحول الحرف في أعماله إلى وسيط بصري يحمل أثر التحولات العميقة التي شهدها المجتمع، ويعكس تداخل تجربته الشخصية مع الهمّ العام، ضمن صياغة فنية معاصرة ومبتكرة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة