الدبلوماسية الصامتة: مساعٍ إقليمية ودولية لتهدئة الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل


هذا الخبر بعنوان "بين مضيق هرمز وغرف التفاوض… من يصنع طريق التهدئة؟" نشر أولاً على موقع North Press وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل دوي الضربات العسكرية المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، لم تُغلق أبواب السياسة، بل فُتح مسار موازٍ لدبلوماسية صامتة تسعى جاهدة لاحتواء الصراع ومنع تحوله إلى حرب إقليمية واسعة النطاق، تهدد أمن الطاقة والاستقرار الدولي. ومع اتساع رقعة المواجهة وتزايد المخاوف من تداعياتها على الملاحة في مضيق هرمز وأسواق النفط العالمية، بدأت قنوات اتصال غير معلنة تنشط خلف الأبواب المغلقة، تقودها دول إقليمية بهدف تخفيف حدة التصعيد وفتح نافذة للتفاوض بين الأطراف المتصارعة.
يعكس هذا الحراك الدبلوماسي الهادئ إدراكاً متزايداً لدى العواصم المعنية بأن استمرار الحرب لن يقتصر على المواجهة العسكرية، بل سيمتد ليشمل الاقتصاد العالمي وأمن التجارة الدولية والاستقرار السياسي في المنطقة. لذا، تتجه الوساطات إلى طرح مقترحات مرحلية تبدأ بوقف إطلاق النار وتهيئة الأرضية لمفاوضات أوسع، في محاولة لخلق توازن بين الضغوط العسكرية والحلول السياسية. وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات جوهرية حول الجهات التي تقود جهود الوساطة، وطبيعة القنوات الدبلوماسية غير المعلنة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ومدى قدرة هذه التحركات على تحقيق اختراق حقيقي في ظل استمرار العمليات العسكرية وتباين مواقف القوى الدولية، وهل تستطيع الدبلوماسية الصامتة فرض مسار تهدئة قبل أن تتسع دائرة الحرب؟
وسط تصاعد التوتر العسكري المشحون بين طهران وواشنطن وتل أبيب، طرحت باكستان مبادرة لوقف إطلاق النار وفتح مسار تفاوض بين إيران والولايات المتحدة، كما أوردت وكالة رويترز في تقريرها المعنون بـ (إيران والولايات المتحدة تتلقيان مقترحاً لإنهاء الصراع وإعادة فتح المضيق). تقوم المبادرة على نهج مرحلي يبدأ بوقف فوري لإطلاق النار، يليه اتفاق شامل يعالج الملفات الحساسة، بما في ذلك إعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف التوتر العسكري بين الأطراف المتصارعة. وتحدث التقرير عن أن المقترح نُقل عبر قنوات غير رسمية بين مسؤولين إقليميين ودوليين، وتأتي هذه المبادرة في سياق محاولة تقليل حدة التوتر، وتجنّب المزيد من الخسائر الاقتصادية والبشرية.
وحول المبادرة الباكستانية، يرى الأستاذ في العلاقات الدولية سهيل شامل أنها “تظهر فهماً دقيقاً للتوازنات الإقليمية، وتوفر أرضية لاختبار استعداد الأطراف للتفاوض في جو بعيد عن الضغوط الإعلامية”. وأوضح في حديثه لنورث برس، أن: “هذا النوع من الوساطة، إذا أُحسن استخدامه، قد يؤدي إلى خطوات ملموسة مثل وقف مؤقت لإطلاق النار أو فتح قنوات اتصال مباشرة بين قيادات الطرفين، وهو أمر بالغ الأهمية لتجنب التصعيد غير المنضبط الذي قد يهدد الملاحة العالمية وأمن الطاقة”.
إلى جانب باكستان، تبرز المساعي المصرية والتركية في رسائل وتبادلات غير معلنة مع طهران وواشنطن، وبحسب سي إن إن، تسعى القاهرة وأنقرة لاستكشاف مسارات تفاوض بديلة، عبر قنوات بعيدة عن الإعلام والرأي العام. ويعكس تعدد الوسطاء، بحسب قراءة الباحث في السياسة الدولية سهيل شامل، إدراكاً مشتركاً بأن أي تقدم في الملف يحتاج جسور ثقة متعددة. وقال: “الوساطة التي تشمل أكثر من طرف إقليمي، مثل باكستان ومصر وتركيا، تتيح خلق توازن ديناميكي، وتمنح كل طرف شعوراً بأنه يتم الاستماع إلى مصالحه بشكل متساوٍ، ما يزيد فرص قبول الحلول المرحلية قبل الوصول إلى تفاهم نهائي”. ونوه إلى أن هناك بعض الدول الأوروبية، رغم دورها الأقل بروزاً، تراقب هذه التحركات وتقدّم رؤى وتشاورات خلف الكواليس، في محاولة لدعم أي تواصل قد يؤدي إلى وقف فوري للقتال أو فتح باب تفاوض أوسع”.
خلف الأضواء والإعلانات الرسمية، تعمل قنوات اتصال خلفية دقيقة تتيح للطرفين الإيراني والأميركي إرسال رسائل وتجربة حدود التنازلات، وهي الوسيلة التي تمنح الوساطة الصامتة قوتها وفاعليتها في إدارة الأزمة بحسب المراقبين. ويستشهد الخبير الأمني والسياسي الدكتور فراس العاجي بالدور البارز الذي تلعبه سلطنة عمان من خلال استضافة محادثات غير مباشرة بين كبار المسؤولين الإيرانيين والأميركيين، تنقل خلالها الرسائل والمواقف دون لقاء مباشر، مما يسمح للطرفين باستكشاف حدود التنازل وفهم مواقف الآخر بشكل سري.
وفي حديثه لنورث برس، أشار إلى مشاركة دول خليجية أخرى: “مثل قطر والسعودية، والإمارات وسعيها في مبادرات خلفية تنقل رسائل محددة للطرفين، وتنسق المواقف بين الوسطاء بهدف تهيئة أرضية تفاهم محتملة، مع الحفاظ على السرية الكاملة لتجنب أي ضغط داخلي أو إقليمي”. وأوضح أن هذه القنوات تتضمن أساليب متعددة، من الاجتماعات الثنائية السرية بين السفراء أو رؤساء أجهزة الاستخبارات، إلى تبادل الرسائل عبر وسطاء. الغرض من هذه الاتصالات هو اختبار ردود الأفعال واستكشاف نقاط التوافق قبل الانتقال إلى أي مفاوضات رسمية.
من الجانب الإيراني، ثمّن مسؤولون هذه المبادرات لكنهم أكدوا عدم قبولهم شروطاً تُقدَّم عبر وساطة غير رسمية دون ضمانات واضحة، مشددين في الوقت ذاته على أنهم لن يستجيبوا لضغوط أو مواعيد نهائية في سبيل إعادة فتح المضيق، في حين أكدوا استعدادهم للدخول في محادثات أكثر شمولاً إذا تم احترام مصالحهم.
وفي إفادة صحفية عقدتها المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت مع الصحفيين في واشنطن، تناولت عدة جوانب مهمة تتعلق بالسياسات الأميركية تجاه الحرب مع إيران والمفاوضات الجارية. كشفت ليفيت عن أن المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال مستمرة وتسير على نحو جيد رغم التصريحات العلنية المتباينة من الجانب الإيراني. وأوضحت أن ما تقوله إيران علناً يختلف أحياناً عما تبلغه في الاجتماعات المغلقة مع المسؤولين الأميركيين، وأن طهران أبدت مرونة في نقاط معينة، وهو ما يمثل جانبًا من التقدم في المفاوضات. ولفتت المتحدثة إلى وجود فرق بين الخطاب الإيراني العلني والرسائل التي تُنقل عبر الاجتماعات الخاصة، مشددة على أن الولايات المتحدة ستعمل على ضمان مساءلة إيران عن أي التزامات تقدم عليها في إطار هذه المحادثات، وأن أي وعود يتم تبليغها في اللقاءات الخاصة ستُخضع للاختبار والمتابعة لضمان تنفيذها”.
تلعب القوى الدولية الكبرى دوراً متبايناً في هذا الصراع، يتراوح بين الضغط السياسي والدبلوماسي. ففي طهران، كررت القيادة الإيرانية أنها ستستجيب فقط لعملية تفاوضية تحترم مصالحها الوطنية، مشددة على رفض أي شروط تمسّ بسيادتها أو تقيّد برنامجها النووي دون مقابل واضح. تصريحات رسمية بهذا الاتجاه يعتبرها ناجي القبيسي، خبير العلاقات الدولية، أنها تبيّن أن إيران تسعى إلى موازنة بين الردع العسكري وفتح مسارات تفاوض قد تتيح لها تحسين موقعها الإقليمي والعالمي.
وعن الولايات المتحدة وموقفها، بيّن القبيسي لنورث برس أن: “واشنطن، تبدي مواقف مزدوجة، إذ يظل الضغط العسكري جزءاً من استراتيجيتها لضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز وحماية حلفائها، وفي الوقت نفسه يعلن كبار المسؤولين الأميركيين استعدادهم للذهاب إلى اتفاق إذا توفرت الشروط، بما في ذلك وقف إطلاق النار وإعادة فتح المضيق وتهدئة الأجواء”. وأوضح محلل السياسات الدولية، ناجي القبيسي أن: “الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يراقبون بحذر التحركات الإقليمية، ويحاولون خلق ضغط دبلوماسي يوازن بين الردع العسكري والفرص التفاوضية. وأي وساطة ناجحة تحتاج إلى إطار دولي يمكن أن يدعم التفاهم بين الأطراف، ويحول الاتفاق المرحلي إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ”. كما أكد مسؤول إيراني رفيع المستوى لرويترز أن: ” إيران مستعدة للتفاوض فقط ضمن شروط تحفظ مصالحها الوطنية، وتلتزم بالخطوط الحمراء في ملف البرنامج النووي. أي محاولات للضغط عليها عبر الإعلام أو التهديدات العسكرية دون تقديم مقترحات ملموسة قابلة للتنفيذ ستفشل في تحقيق أي تقدم حقيقي”.
تبقى فرص نجاح الوساطة مرهونة بعدة عوامل، يحصي الدكتور فراس العاجي أبرزها في مدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات مرحلية: ” وقف إطلاق النار، حتى لو كان مؤقتاً، يعتبر خطوة أولى يمكن أن تمهد لمفاوضات أكثر عمقاً حول القضايا الشائكة، بدءاً من العقوبات، وصولاً إلى مسألة البرنامج النووي والأمن البحري”. وحذر من أن استمرار الاشتباكات يشكّل عائقاً كبيراً أمام نجاح أي وساطة، لا سيما حين تستمر الحملات العسكرية والضربات المنتشرة على عدة جبهات. وقال: ” كل تصعيد جديد يعيد ترسيخ التوجس ويزيد من إحجام الأطراف عن تقديم تنازلات، كما أنه يؤثر على ثقة أي طرف بالآخر”. ويرى الخبير الأمني فراس أن نجاح الوساطة يتطلب ترتيباً واضحاً للأولويات، بحيث يبدأ وقف إطلاق النار أولاً، ويليه جدول زمني للتفاوض الشامل، يشمل الضمانات الدولية وآليات تنفيذ يمكن مراقبتها من قبل أطراف ثالثة.
يطرح جميل العطر، أستاذ العلاقات الدولية، رؤيته لحل الأزمة خلال حديثه لنورث برس ويقول: “قد يمثل الاتفاق المرحلي لوقف إطلاق النار خطوة أولى ضرورية لتهدئة الأوضاع، حيث يمكن للطرفين تجربة قنوات الاتصال الخلفية دون الالتزام بأي تفاهم شامل، وهذا يتيح اختبار ردود الأفعال على الأرض قبل الانتقال لأي مفاوضات أوسع”. ويتابع: “في حال التوصل إلى اتفاق شامل تدريجي، يُمكن بناءه على مراحل تشمل وقف إطلاق النار أولاً، ثم الانتقال إلى تفاهمات حول العقوبات والبرنامج النووي، وربما تضم مقترحات أمنية إضافية لمضيق هرمز. هذا يتطلب ثقة متبادلة وتنسيق دبلوماسي مكثف”.
ويحذر العطر من فشل جهود الوساطة واستمرار التصعيد العسكري إذا رفض أي طرف تقديم تنازلات مؤقتة، أو تمسك بشروط صعبة التنفيذ، وهذا يعكس صعوبة التوصل إلى أي اتفاق عندما تتشابك المصالح الاستراتيجية مع الضغوط الإقليمية والدولية، حسب قوله. ويشير إلى أنه في أسوأ الحالات، قد يؤدي فشل جميع محاولات الوساطة وارتفاع مستوى المواجهة العسكرية إلى توسع نطاق الصراع، ما يزيد المخاطر على المضائق الحيوية والملاحة البحرية العالمية، ويجعل أي تفاهم دبلوماسي أصعب في المستقبل. ويختتم العطر تحليله بالقول: “النجاح في إنهاء الحرب يعتمد على قدرة الأطراف على تقديم تنازلات مرحلية، وإعطاء الفرصة لقنوات الاتصال الخلفية لتثبيت تفاهمات أولية، حتى لو لم تكن الحلول شاملة من البداية. هذه المراحل التمهيدية غالباً ما تشكل الأساس لأي اتفاق طويل الأمد”.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة