هجوم دوما الكيماوي: ثماني سنوات على الجريمة.. هل تفتح التطورات الأخيرة باب المساءلة؟


هذا الخبر بعنوان "في ذكراه الثامنة.. هجوم دوما الكيماوي بانتظار المساءلة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في السابع من نيسان عام 2018، وثقت مدينة دوما بريف دمشق واحدة من أشد الهجمات الكيماوية قسوة خلال سنوات الحرب السورية، حيث استهدف المدنيون بغاز سام داخل الأحياء السكنية. أسفرت الحادثة عن مقتل عشرات الأشخاص وإصابة المئات بحالات اختناق، بينهم أطفال ونساء، في مشهد وثقته الصور ومقاطع الفيديو التي انتشرت آنذاك وأثارت صدمة واسعة على المستوى الدولي. جاء الهجوم في الأيام الأخيرة من سيطرة فصائل المعارضة على المدينة، وسط تصعيد عسكري عنيف شهدته الغوطة الشرقية، قبل أن تنتهي المعارك بخروج الفصائل وسيطرة قوات النظام السابق على المنطقة. ومنذ ذلك اليوم، تحولت دوما إلى واحدة من أبرز القضايا المرتبطة باستخدام السلاح الكيماوي في سوريا، وواحدة من الملفات التي دفعت منظمات حقوقية وهيئات دولية إلى فتح تحقيقات وتوثيق الأدلة المتعلقة بالهجوم.
على مدار السنوات الماضية، صدرت تقارير متعددة عن منظمات حقوقية وهيئات دولية وثقت الهجوم، وحددت نوع السلاح المستخدم ومسار المسؤولية. إلا أن مسار المساءلة القانونية بقي بطيئًا مقارنة بحجم الجريمة، ما أبقى الملف حاضرًا في كل ذكرى سنوية، ليس لأنه حدث تاريخي فحسب، وإنما كقضية حقوقية ما تزال تبحث عن عدالة كاملة. فقد أصدرت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عبر بعثة تقصي الحقائق في تموز 2018 تقريرًا أوليًا أكد العثور على مؤشرات لوجود مواد كيميائية كلورية في موقع الهجوم في دوما. واستند التقرير إلى عينات بيئية وطبية وشهادات ناجين، ما عزز فرضية استخدام غاز سام ضد المدنيين داخل الأحياء السكنية.
وفي آذار 2019، أصدرت المنظمة تقريرها النهائي الذي خلص إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد باستخدام مادة كيميائية سامة تحتوي على الكلور في الهجوم. وأوضح التقرير حينها أن المادة انتشرت من أسطوانات أسقطت على مبان سكنية. وأكد التقرير أن مهمة البعثة تقتصر على إثبات استخدام السلاح الكيميائي دون تحديد الجهة المسؤولة، ما أبقى ملف المساءلة القانونية مفتوحًا أمام آليات دولية أخرى. التحول الأبرز جاء في كانون الثاني 2023، حين نشر فريق التحقيق وتحديد المسؤولية (IIT) التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية تقريره الذي خلص إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن سلاح الجو السوري هو من نفذ الهجوم، عبر إسقاط أسطوانتي كلور من مروحية عسكرية على مبنيين سكنيين في دوما. واعتمد التقرير على تحليل موسع شمل صور الأقمار الصناعية، ونماذج محاكاة، وشهادات شهود، وتحليل مسار الأسطوانات، ما جعله أحد أهم التقارير الدولية التي تربط الهجوم بجهة منفذة بشكل مباشر.
بالتوازي مع ذلك، أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقارير توثيقية متعددة حول الهجوم، تضمنت أسماء الضحايا وشهادات ناجين وتحليلًا للسياق العسكري والسياسي الذي سبق الهجوم. كما قدمت الشبكة بيانات ومواد توثيقية لجهات التحقيق الدولية، مؤكدة أن التقارير الدولية تشكل أساسًا قانونيًا يمكن البناء عليه في مسار المساءلة والملاحقات القضائية أمام المحاكم الدولية أو الوطنية التي تعتمد الولاية القضائية العالمية.
في هذا السياق، قال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني إن الذكرى السنوية للهجوم الكيماوي على دوما ليست مجرد مناسبة للحزن، بل فرصة للضغط على المحاور الدولية لفتح ملفات المساءلة. وأشار إلى أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثقت مقتل 43 مدنيًا، بينهم 19 طفلًا و17 امرأة، وإصابة نحو 550 شخصًا نتيجة الغاز السام. هذه الأرقام تشكل أدلة حية ضمن ملفات قانونية لا تزال مفتوحة أمام القضاء في فرنسا وألمانيا، وأمام آليات أممية متعددة. وأوضح أن الذكرى الثامنة توفر فرصة استراتيجية للضغط على عدة محاور، أولًا، مطالبة مجلس الأمن الدولي باتخاذ تدابير فعلية بحق المسؤولين، استنادًا إلى تقارير فريق التحقيق وتحديد الهوية التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية. كما يشكل المحور الثاني، حث السلطات السورية الجديدة على التعاون الكامل مع المنظمة لاستكمال جرد المواقع الكيميائية. وقد أجرى الفريق الدولي أربع عمليات نشر داخل سوريا منذ آذار 2025.
ولفت عبد الغني إلى التطورات القانونية والتحقيقية الأخيرة، مشيرًا إلى تقرير فريق التحقيق وتحديد الهوية الخامس الصادر في كانون الثاني الماضي، حيث خلص إلى وجود أسباب معقولة تثبت مسؤولية القوات الجوية السورية، ممثلة بقوات النمر، عن الهجوم الكيماوي على كفر زيتا في تشرين الأول عام 2016. هذا النمط، بحسب عبد الغني، يعزز الإطار العام الذي يثبت وجود آلية إجرامية ممنهجة، لا حوادث فردية منفصلة. وأكد أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان تعاونت مع الفريق في جميع التحقيقات منذ تأسيسه، بموجب اتفاقية شراكة تتيح الاطلاع على التفاصيل والتحقيقات. وحول مدى كفاية التقارير السابقة للتوثيق، اعتبر عبد الغني أن المشكلة لم تكن في الكم، بل في تحويل التوثيق إلى مساءلة فعلية. التقارير المتراكمة، بما فيها تقارير لجنة التحقيق المستقلة الأممية، وتقارير آلية التحقيق المشتركة بين منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة، والتقرير الأول والثالث لفريق التحقيق وتحديد الهوية، وتقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قدمت حجمًا هائلًا من الأدلة الجنائية، وتسلسل القيادة، وأنماط الهجمات الممنهجة.
ورغم ذلك، أشار عبد الغني إلى أوجه قصور، منها وصول المحققين الدوليين المتقطع بسبب رفض النظام السابق التعاون، وغياب آلية إحالة مؤسسية إلى المحكمة الجنائية الدولية نتيجة الفيتو الروسي في مجلس الأمن. واعتبر أن هذه الفراغات تعرقل عملية المساءلة، كما حدد معايير التقرير الحقوقي الفعال لضمان المساءلة القانونية. التقرير الذي يصمد أمام القضاء يرتكز على عناصر محددة:
واستعرض عبد الغني التأخر والقصور في المساءلة القانونية، منوهًا إلى أنه بعد ثمانية أعوام على الهجوم، لا يزال بشار الأسد حرًا في موسكو، وكذلك معظم كبار الضباط المسؤولين عن تنفيذ الهجمات الكيميائية، لكنه أكد أن المساءلة ممكنة رغم طول المسار وعدم تكافؤه. سقوط النظام في كانون الأول عام 2024 أزال عائقًا رئيسيًا يتمثل في انعدام التعاون مع المحققين الدوليين. ووفقًا لعبد الغني، أصبح التعاون الكامل للسلطات السورية الجديدة مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ووسائل التحقيق الأخرى مؤشرًا أساسيًا على مصداقية المرحلة الانتقالية. فغياب المساءلة عن جرائم الأسلحة الكيميائية لا يطال ضحايا دوما فقط، بل يقوض المنظومة الدولية لحظر هذه الأسلحة التي بُنيت على مدى عقود. التحقيقات بكيماوي دوما بانتظار تقرير الخبراء.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة