المصالح الأميركية في الخليج تتحدى ادعاءات ترامب حول هرمز: الاقتصاد الأميركي ليس بمنأى عن التداعيات


هذا الخبر بعنوان "أكاذيب ترامب حول «هرمز» لا تصمد: 8% من واردات الخليج أميركية" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خطوة اعتُبرت ردّاً انتقامياً على الدول الرافضة للمشاركة في حربه على إيران، أناط الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مؤخراً، مهمة فتح مضيق هرمز وحمايته بالدول المتضررة من إغلاقه، مدّعياً أن بلاده لا تستفيد شيئاً من المضيق. وقد ألمح ترامب، وفقاً لبعض وسائل الإعلام الأميركية، إلى إمكانية وقف الحرب حتى في حال استمرار إغلاق المضيق. لكنه سرعان ما عاد، خلال الساعات الماضية، لتهديد إيران بـ«الجحيم» ما لم تُقدم على فتح «هرمز». ومنذ بدء الحملة على إيران، تقدّم الإدارة الأميركية روايات متباينة حول مجريات الأحداث ونتائجها، في ظل محدودية المعلومات المتاحة بشأن الخسائر العسكرية الأميركية أو الأضرار التي لحقت بمنشآتها الحيوية.
مع ذلك، ومع تأثر الأسواق العالمية باضطراب سلاسل الإمداد في قطاعي الطاقة والسلع، التي تمرّ عبر «هرمز»، بدأت التداعيات الاقتصادية بالظهور بشكل أوضح. تجلّت هذه التداعيات في مؤشرات ملموسة مثل ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتقلبات البورصات، واللجوء إلى استخدام جزء من الاحتياطيات النفطية للحد من ارتفاع الأسعار. وتضاف إلى ذلك المخاوف من تعطّل الملاحة في مضيق باب المندب، الأمر الذي قد يؤدي إلى تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي.
لا يمكن لأي شخص ملمّ بأبسط قواعد علم الاقتصاد إنكار تأثر اقتصادات الدول كافة بتوقف حركة الملاحة عبر «هرمز»، وإن بدرجات متفاوتة. يعود ذلك إلى عوامل عدة، منها مستوى انكشاف اقتصادات الدول على العالم، وحجم التجارة النفطية، وحجم مستورداتها أو صادراتها من النفط الخام، وعلاقاتها التجارية مع منطقة الخليج. فالاضطراب الحاصل في أسواق الطاقة، وارتفاع كلف التأمين والنقل، وما يتبعهما من تبعات الحرب، تمتدّ آثاره المباشرة وغير المباشرة إلى مختلف الاقتصادات الكبيرة والصغيرة، بغض النظر عن قربها أو بعدها الجغرافي من المضيق.
وعليه، فإن ما تردّده الإدارة الأميركية بشأن عدم تأثر مصالحها بالوضع السائد في «هرمز»، يبدو إما تعامياً مقصوداً عن الواقع، أو نتيجة لحسابات سياسية وعسكرية واقتصادية خاطئة وقعت فيها هذه الإدارة عند اتخاذها قرار شن الحرب. فالولايات المتحدة ليست استثناء من القاعدة المشار إليها، نظراً لكونها دولة منتجة ومستهلكة في آن معاً، وترتبط بشكل وثيق بالاقتصاد العالمي.
في المجمل، وبناءً على تقديرات وتحليلات مؤسسات اقتصادية أميركية عريقة، يمكن القول إن الاقتصاد الأميركي لا يتضرر أساساً من نقص مباشر في الإمدادات، بقدر ما يتأثر بارتفاع أسعار النفط عالمياً، وزيادة معدلات التضخم، وتباطؤ النمو. ورغم تحقيق مكاسب محدودة لقطاع الطاقة، فإن ذلك تقابله خسائر أوسع على مستوى الاقتصاد الكلي.
أما الخسائر المباشرة، فتكمن في تأثر المبادلات التجارية بين الولايات المتحدة ودول الخليج، لا سيما صادراتها السلعية المعتادة، والتي تراوحت قيمتها، وفق تقديرات أميركية، ما بين 50 و60 مليار دولار سنوياً، وتمثّل نحو 8% من إجمالي واردات دول الخليج. على سبيل المثال، تُظهر بيانات رسمية للتجارة السلعية في السعودية، خلال كانون الثاني الماضي، أن الولايات المتحدة جاءت في المرتبة الثالثة في قائمة الدول المصدِّرة إلى المملكة – بعد الصين والإمارات – وذلك بنسبة 6.9% من إجمالي واردات السعودية؛ كما كانت ضمن أهم عشر وجهات لصادرات الرياض. وينسحب الأمر نفسه على التجارة الخارجية الكويتية؛ إذ وفقاً لبيانات الإحصاء المتعلقة بالتجارة الخارجية للربع الثالث من عام 2025، احتلت الولايات المتحدة المرتبة الثالثة – بعد كل من الصين والإمارات – بقيمة واردات تقارب المليار دولار أميركي. وفي الإمارات، تصدّرت الولايات المتحدة قائمة الدول المصدّرة عبر منافذ إمارة أبو ظبي؛ إذ بلغت قيمة الواردات منها نحو 774 مليون دولار في كانون الأول الماضي، تلتها الصين ثم السعودية.
تتركز غالبية واردات دول الخليج من الولايات المتحدة في الطائرات والمعدّات العسكرية، والآلات الصناعية، والسيارات وقطع الغيار، بالإضافة إلى المنتجات الزراعية والغذائية، والتكنولوجيا والخدمات. والجدير ذكره أن جزءاً كبيراً من هذه الواردات يمرّ عبر «هرمز»، خصوصاً تلك المتجهة إلى قطر والكويت والإمارات والبحرين، فيما تعتمد السعودية جزئياً على موانئ البحر الأحمر. يطرح ذلك تساؤلات جدّية حول كلفة تعثر أو تراجع واردات الخليج من الولايات المتحدة، حتى مع إمكانية استخدام بعض الدول مسارات بديلة عبر موانئ السعودية والأردن على البحر الأحمر، ومن ثم شحنها براً إلى مقاصدها في دول الخليج. فهل يمكن أن يشكل مثل هذا الخيار بديلاً مناسباً من حيث الكلفة والحجم لجميع واردات الخليج من الولايات المتحدة؟ وماذا عن صادرات الخليج إلى الأميركيين؟ ألن ترتفع كلفتها، وبالتالي أسعارها بالنسبة إلى المستهلك الأميركي؟
تُجمع آراء معظم الاقتصاديين على أن الخليج يشكل سوقاً مهماً للصادرات الأميركية، ليس من حيث الحجم مقارنة بأسواق آسيا وغيرها، وإنما من حيث القيمة. يعود ذلك إلى نوعية الواردات التي تعتمد على إنفاق حكومي مرتفع، وتشمل سلعاً ومعدات عسكرية ومدنية أساسية كالدفاع والطيران، إضافة إلى الوظائف الاقتصادية التي تقوم بها مدن تجارية هامة كدبي عبر عملية إعادة التصدير.
وبهذا، يمكن القول إن ما تحدّث به ترامب لجهة محدودية علاقات مصالح بلاده الاقتصادية بمضيق «هرمز»، يبدو مشابهاً في مضمونه ومصداقيته لحديثه المكرَّر يومياً عن تدمير القدرات والإمكانيات العسكرية الإيرانية، والذي سرعان ما يتبين عدم صحته مع كل موجة صواريخ تستهدف القواعد والمصالح الأميركية والمنشآت والمراكز الإسرائيلية الحساسة. لكن ما يمكن إخفاؤه عسكرياً كحادثة استهداف حاملة الطائرات والتذرع بوقوع حريق فيها، لا ينطبق على الخسائر والتداعيات الاقتصادية؛ فالمستهلك الأميركي هنا هو أول من يتأثر بها. ثم ماذا لو قرّرت دول الخليج استبدال وارداتها الأميركية بأخرى من دول آسيوية أو أوروبية مثلاً؟ هل يمكن أن يصمت ترامب حيال ذلك؟
اقتصاد
اقتصاد
سياسة
سياسة