إرث الأسد: دعوة لتجاوز الذرائع وتسريع بناء سوريا الجديدة


هذا الخبر بعنوان "لا تجعلوا إرث الأسد ذريعة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أصبح الحديث عن بلد مدمر ومرهق يفتقر إلى مقومات الحياة أمراً شائعاً منذ سقوط نظام الأسد، وهو وصف طبيعي لبلد خرج من حرب استمرت قرابة الخمسة عشر عاماً، دُمرت خلالها مقدرات البلاد وبناها التحتية. يضاف إلى ذلك سنوات من الاستبداد والنهب شبه المنظم لخيراتها، مما أدى إلى اضمحلال الطبقة الوسطى وتآكلها، وهي الطبقة التي تُعد ميزان الحكم على توازن أي مجتمع. فكلما اتسعت هذه الطبقة على حساب الطبقات الأخرى، سواء الأكثر فقراً أو الأكثر غنى، بدا المجتمع أكثر استقراراً وتوازناً. هذه الطبقة هي التي تضطلع بمسؤولية بناء الدولة، لما تمثله من جسم تكنوقراطي وجهاز بيروقراطي يدير شؤونها.
كل ما ذُكر صحيح، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الركون إلى مقولة أننا ورثنا بلداً مدمراً يبرر البطء في التحول نحو مرحلة البناء؟ وهل مقولة أن عاماً أو بضعة أشهر لا تكفي لبناء بلد تعرض للاستبداد وحرب دامت أعواماً دقيقة؟ قد يكون هذا صحيحاً لو أن المجتمع السوري بقي جامداً طيلة الأعوام العشرة الأخيرة على الأقل، وأن الفوارق المجتمعية قد ازدادت عما كانت عليه. لكن هذا الكلام غير دقيق، إذ إن المجتمع السوري، سواء في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد أو حتى أولئك الذين بقوا في مناطقه ولم ينخرطوا في عمليات الفساد الواسعة، إضافة إلى الذين توزعوا في معظم دول العالم، لم يتوقفوا عن بناء أنفسهم وتطوير مهاراتهم. وبالتالي، يمكن القول إن المجتمع أعاد بناء طبقته الوسطى، وإن كانت في أماكن ومناطق مختلفة، وإن ما يلزم هو فقط إعادة توليفها والاستفادة من مقدراتها وإمكاناتها.
إن تجارب الدول التي خرجت من هزات اجتماعية وحروب لم تعتمد فقط على العامل الاقتصادي، رغم أهميته، بل انطلقت من عوامل ذاتية أهمها رغبة المجتمع في ترميم نفسه. وهذا ما حدث في دول مثل ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، حيث لم يراهن قادتها على الدعم الاقتصادي بقدر ما راهنوا على قدرة المجتمع على ترميم ذاته. وهذا ما عبر عنه السوريون بعيد سقوط النظام من خلال تبرعاتهم لإعادة بناء مدنهم وقراهم وتطوعهم لوضع قدراتهم ومعارفهم في خدمة الوطن.
كما أن الحديث عن الحاجة لوقت طويل، بناءً على الأمثلة السابقة، لا يلحظ التطور الهائل في المعلومات والأدوات وطرق البناء. فما كان يتم ترميمه في عام لا يحتاج الآن سوى أيام لإعادة ترميمه، نتيجة تقدم التقنية وتوافر الإمكانات البشرية والمادية. ولعل العائق المادي، كأحد أشكال الدعم الاقتصادي، هو الوحيد الذي قد يحتاج لبعض الوقت لتوفيره في ظل العقوبات المفروضة، لكن هذا العائق لا يمنع من أن تكون عجلة البناء أسرع مما هي عليه الآن.
ففي ظل وجود خبرات في معظم المجالات، يصبح بناء بنية قانونية وإدارية، وإيجاد بيانات تخدم الاحتياجات الإدارية والقانونية، والمشاركة في البناء وإعادة الإعمار، خطوات أكثر سهولة ومرونة وأقل احتياجاً. فالأمر يتطلب الثقة بالآخر بصورة أساسية، ومن ثم تقديم التسهيلات له، وعدم إقصاء أي كفاءة من شأنها تحقيق مشاركة فاعلة في إعادة البناء. إذاً، العائق أمام المشاركة هو عملية الثقة بالدرجة الأولى. أما العائق الآخر أمام عملية البناء، وهو مهم أيضاً، فهو تحقيق الأمن والاستقرار، لكن هذا العائق ليس من تركة نظام الأسد بالكامل، بل تدخل فيه عوامل آنية أهمها عدم إعطاء الكفاءات دوراً في عملية ضبط وإعادة الأمن وضعف الثقة والمشاركة من أفراد المجتمع.
إن الركون لمقولة أو نظرية وراثة بلد مدمر يبطئ من عملية البناء ويؤخر عملية الانطلاق، وهي بمثابة هروب إلى الأمام وتبرير للأخطاء بذريعة التجريب والبحث عن المعرفة والخبرة. لم تكن سوريا في عهد نظام الأسد دولة بالمعنى الحقيقي الذي يملك مقومات النجاح، وإنما كانت تدار عبر شبكة من المصالح والمنفعة لأصحاب السلطة ومن يدور في فلكهم من المنتفعين.
وبالتالي، فإننا أمام بلد أعاد إنتاج طبقته الوسطى من خلال جيل تعلم في الجامعات ودخل سوق العمل ويملك تجربة جيدة، تختصر كثيراً من خطوات إعادة البناء. مما يعني أننا بحاجة فقط لبيئة قانونية ورغبة في إشراك أفراد المجتمع في إدارته، والسماح بنقل التجارب الذاتية والخبرات التي امتلكها السوريون وإعطاء التسهيلات لهم، بدلاً من إصدار قوانين قد تعيق إدماجهم واستقطابهم.
من السهل القول إن سوريا بلد مدمر ومتهالك ويحتاج إلى عقود لبنائه، لكن علينا أن نستذكر أن دول الخليج، التي لا تملك ما تملكه سوريا من مقومات، كانت قبل عدة عقود صحراء قاحلة لا تملك خبرات محلية ولا أدوات بناء ذاتية. ومع ذلك، نهضت من تحت رمال الصحراء لتبني حواضر، دافعها إلى ذلك رغبة ذاتية في البناء في وقت كانت التكنولوجيا أقل حضوراً، وهو ما يملكه السوريون، إضافة لخبراتهم التي تراكمت عبر سنوات، وفي جميع المجالات.
إن عملية البناء تبدأ من عملية المشاركة وتهيئة البيئة القانونية وإعطاء التسهيلات للانطلاق في عملية البناء، دون التمترس خلف مواقف مسبقة أو محاولة تقييد المشاركة تحت أي ذريعة كانت. إن الركون لنظرية عدم جاهزية البلد لكي تبدأ عملية التحول يجعل من خطواته متثاقلة ويجعل من تبرير الأخطاء واقعاً. فقد ورث السوريون مرحلة استعمار مدمرة بعد قرون من التغييب، لكنهم استطاعوا خلال سنوات بناء ووضع أسس لدولة عصرية وإن لم تستمر طويلاً. فقد شهدت مرحلة الخمسينيات عملية انفتاح سياسي اقتصادي وضع أسسه الآباء المؤسسون، ولولا انتكاسة الانقلابات وتدخل الجيش في السياسة، لكانت سوريا الدولة في مكان آخر بين البلاد التي شهدت نهضة اقتصادية كبيرة لاحقاً.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة