مفارقة الموازنة السورية: احتفال بفائض 2025 المحدود وتوقع عجز 2026 الضخم


هذا الخبر بعنوان "الاحتفال بالفائض وإعلان العجز في الموازنة العامة السورية في آن واحد" نشر أولاً على موقع North Press وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تعليق له على البيانات الصادرة عن وزارة المالية السورية بشأن أداء الموازنة العامة لعام 2025 وتقديرات عام 2026، يؤكد الدكتور مسلم عبد طالاس أن قراءة الأرقام السطحية لا تكفي، بل يجب تحليلها ضمن إطار أوسع يتصل بطبيعة صياغة السياسات الاقتصادية، وعلاقتها بالثقة والانضباط المالي والنقدي، فضلاً عن الدور المتنامي لما يمكن تسميته بـ "إدارة الصورة الاقتصادية" في الخطاب الرسمي. ففي حين يُقدم تحقيق فائض في موازنة 2025، وإن كان محدوداً بنحو 0.15% من الناتج المحلي، كإنجاز تاريخي ودليل على الانضباط المالي ويُحتفى به رسمياً كعلامة على تحسن إدارة المالية العامة والاستقرار الاقتصادي، تكمن المفارقة اللافتة في أن التصريحات ذاتها تضمنت الإعلان عن عجز كبير متوقع في موازنة 2026، يُقدر بنحو 20% من حجم الموازنة.
إن هذا الجمع بين الاحتفاء بالفائض والإقرار بالعجز في آنٍ واحد لا يمثل مجرد تناقض في الخطاب، بل يكشف عن خلل أعمق في اتساق السياسة المالية. من منظور الاقتصاد السياسي المؤسسي، لا تُقاس جودة السياسة المالية بنتائج سنة واحدة، بل بقدرتها على تحقيق مسار مستقر وقابل للتنبؤ عبر الزمن. ويبدو الفائض المسجل في 2025، بالنظر إلى ضآلته وتراجعه من مستوى أعلى خلال العام مع سداد التزامات متأخرة، أقرب إلى نتيجة ظرفية أو إدارية، وليس انعكاساً لإصلاح هيكلي في بنية الإيرادات أو كفاءة الإنفاق. بل إن هذا النمط يوحي بإمكانية تأجيل جزء من الإنفاق أو ترحيله، مما يسمح بإظهار فائض مؤقت، قبل العودة إلى مستويات إنفاق أعلى لاحقاً.
تتأكد هذه القراءة عند التدقيق في موازنة 2026، التي تكشف عن قفزة كبيرة في الإنفاق العام، تتجاوز ثلاثة أضعاف، بالتوازي مع إدخال إيرادات النفط والغاز ضمن الموازنة بنسبة تقارب 28% من إجمالي الإيرادات. يشير هذا التوسع المالي الحاد إلى وجود احتياجات إنفاقية مكبوتة أو مؤجلة، كما يعكس تغييراً في طريقة عرض الموارد، مما يجعل المقارنة بين العامين غير متكافئة. وعليه، فإن الفائض المسجل في 2025 يفقد جزءاً كبيراً من دلالته كمؤشر على انضباط مالي مستدام.
لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن سياق أوسع أشار إليه عدد من رجال الأعمال والخبراء، يتمثل في ميل متزايد نحو الاستعراض الاقتصادي. فقد جرى خلال الفترة الماضية الإعلان عن اتفاقيات استثمارية ضخمة بمليارات الدولارات دون أن ينعكس ذلك بشكل ملموس على النشاط الاقتصادي الحقيقي، كما تم اتخاذ قرارات ذات طابع رمزي – مثل تغيير العملة – في ظل استمرار مؤشرات سلبية كارتفاع معدلات التضخم والبطالة وتراجع القدرة الشرائية. وفي هذا السياق، تم تداول تصريحات منسوبة لبعض رجال الأعمال تفيد بتعرضهم لضغوط للمشاركة في الإعلان عن مشروعات أو توقيع اتفاقيات ذات طابع شكلي، بهدف خلق زخم إعلامي أكثر منه تحقيق أثر اقتصادي فعلي. ورغم صعوبة التحقق المستقل من هذه الادعاءات، فإن مجرد تداولها يعكس مستوى من الشك في جدية البيئة الاستثمارية، ويعزز الانطباع بوجود فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاقتصادي.
ضمن هذا الإطار، يمكن فهم سلوك وزارة المالية، حيث سارع الوزير إلى الإعلان عن فائض يقارب نصف مليار دولار قبل نهاية السنة المالية، ثم عاد ليقدم الفائض النهائي – وهو محدود للغاية – بوصفه إنجازاً غير مسبوق منذ أكثر من ثلاثين عاماً. هذا النمط في إدارة الأرقام لا يعكس فقط توظيفاً سياسياً للبيانات المالية، بل يشير إلى ضعف في إدراك أهمية الاستدامة المالية كعنصر أساسي في بناء الثقة. ففي الاقتصاد السياسي، تُعد مصداقية السياسة المالية حجر الزاوية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي. وهذه المصداقية لا تُبنى من خلال إعلان أرقام إيجابية في لحظة معينة، بل من خلال الاتساق بين السياسات عبر الزمن، والشفافية في عرض البيانات، والقدرة على الالتزام بمسار مالي واضح. وعندما يتم تضخيم إنجازات مرحلية، ثم الانتقال سريعاً إلى سياسات توسعية تؤدي إلى عجز كبير، فإن ذلك يقوض هذه المصداقية.
لا تقتصر آثار هذا التناقض على المالية العامة، بل تمتد إلى السياسة النقدية. فالعجز الكبير يتطلب تمويلاً، وفي ظل محدودية الخيارات، قد يؤدي ذلك إلى ضغوط تضخمية أو تقلبات في سعر الصرف. وهنا يظهر الترابط الوثيق بين الانضباط المالي والاستقرار النقدي، حيث يؤدي ضعف الأول إلى تقويض الثاني. كما أن الاعتماد المتزايد على إيرادات النفط والغاز، رغم أهميته من حيث الشفافية، يعزز الطابع الريعي للإيرادات العامة، ما لم يرافقه إصلاحات هيكلية تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز الإنتاجية. فالاقتصادات الريعية غالباً ما تعاني من تقلبات في الإيرادات، وضعف في الحوافز نحو الإصلاح، مما يزيد من هشاشة المالية العامة على المدى الطويل.
في ضوء ذلك، لا تكمن المشكلة في تسجيل فائض في 2025 أو عجز في 2026 بحد ذاتهما، بل في عقلية إدارة السياسة الاقتصادية. فالمؤشرات المتاحة توحي بوجود توجه نحو تعظيم الأثر الإعلامي للأرقام والقرارات، بدلاً من بناء إطار مؤسسي قائم على الاستدامة والانضباط. وهذه العقلية، إن استمرت، ستؤدي إلى تآكل الثقة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين، وتضعف قدرة السياسات على تحقيق أهدافها. إن التحدي الحقيقي لا يتمثل في تحسين الأرقام في سنة معينة، بل في بناء منظومة سياسات متماسكة، قائمة على قواعد واضحة، وشفافية حقيقية، والتزام طويل الأجل. فالثقة – بوصفها عنصراً مركزياً في الاقتصاد – لا تُفرض من خلال الخطاب، بل تُبنى تدريجياً عبر الاتساق والمصداقية. وعليه، فإن المفارقة بين الاحتفال بالفائض والإعلان عن العجز ليست مجرد تفصيل تقني، بل هي مؤشر على خلل أعمق في إدارة السياسة المالية، وعلى الحاجة الملحة لإعادة التفكير في كيفية تصميم وتنفيذ السياسات الاقتصادية، بما يعيد بناء الثقة، ويؤسس لاستقرار مالي ونقدي مستدام.
سياسة
سياسة
اقتصاد
سياسة