خاتون سلمى: رحيل الشاعرة البيروتية في غارة جوية يرفع السقوط إلى سماء القصيدة


هذا الخبر بعنوان "خاتون سلمى الشاعرة البيروتية التي رحلت في آخر غارة :آخر نزلاء القمر… حين يرتقي السقوط إلى سماء القصيدة.." نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: علي نفنوف - دبي
لم يكن ما جرى في تلة الخياط مجرد خاتمة مأساوية لحياة شاعرة، بل كان لحظة كاشفة بعمق لطبيعة الشعر عندما يصل إلى أقصى مداه. تحت الأنقاض، لم تسقط خاتون سلمى وحدها، بل سقطت معها فكرة متكاملة عن القصيدة، صعودًا. وكأن اللغة، التي اعتادت أن ترتقي عبرها، اضطرت أخيرًا للاعتراف بأن أقصى توهجها لا يكون في العلو، بل في السقوط.
في تلك الغارة، كان القدر يخط رحيلها مع زوجها، وكأن صك زواجهما كان ينص أيضًا على صك الرحيل. عانقته كأن الموت باب لا يُفتح إلا بيدين متشابكتين، وحين هبطت السماء نارًا، كانت ذراعاها وطنه الأخير. لم يفترقا، بل صارا معًا نجمة ترفض السقوط، وكأن الرحيل وعد قديم بين قلبين لا يعرفان الفقد. مضيا معًا، كحياة أصرت أن تكتمل حتى النهاية. وكان ديوانها: «عانقت امرأة تنتظر» بمثابة نبوءة متقدمة.
نحن لا نموت دفعة واحدة، بل نتدرّب على الموت في تفاصيل تبدو للوهلة الأولى بعيدة عنه: في لوحة يضيق إطارها عن رؤيتها، في قافية تعجز عن حمل فائض الإحساس، وفي ذلك التردد الخفي بين أن يُقال الشيء أو يُترك معلقًا. حتى صار الوجود نفسه سجلًا صامتًا، نعود إليه كل يوم لنتحقق إن كنا لم نغادر بعد. لهذا، لا تبدو الحكايات قابلة للاحتواء داخل نهاياتها، وكأن المقبرة ليست خاتمة، بل خطأ في السرد؛ وما نظنه نهاية ليس سوى انتقال في موقع الصوت. من هنا، يغدو الموت صيغة مستمرة للحضور، حضورًا يتخذ هيئة الانتظار، أو هيئة أثر لا يكتمل.
في هذا الأفق تحديدًا، يمكن قراءة مسار خاتون سلمى: لا كصعود انكسر، بل كسقوط كان يرتقي بهدوء نحو سمائه الخاصة. كانت تكتب من تخوم هامسة بين القول واللاقول، حيث لا تستقر المعاني بقدر ما تومض، ولا تتماسك الصور بقدر ما تتشظى في لحظة اكتمالها. لذلك بدا شعرها، حتى في صفائه، مشدودًا إلى حافة غير مرئية، كأن كل قصيدة كانت تمارس شكلها الأخير دون أن تُعلنه. حين تركت القمر آخر نزلائه، لم تكن تصوغ عزلة شعرية بقدر ما كانت تؤسس لفضاء لا يغادره أحد إلا لكونه أثرًا. وحين عانقت امرأة تنتظر، لم تكن تستعير صورة، بل كانت تقترب من هيئة وجودية ستصير لاحقًا شكلها النهائي: الانتظار كإقامة. لم تأتِ الغارة قطيعة مع تجربتها، بل كشفت منطقها الداخلي. السقوط الذي بدا حدثًا خارجيًا كان، في عمقه، ارتقاءً أخيرًا: انتقال القصيدة من كونها بناءً لغويًا إلى كونها بقايا حضور، من نص يُكتب إلى صمت يُقيم. وهنا تحديدًا تبلغ خاتون سلمى سماءها الوحيدة الممكنة، سماء لا تُرى من الأعلى، بل تُدرك من الحطام، حيث لا تعود القصيدة ما يُقال، بل ما يبقى.
لقد كُتبت هذه القصيدة من دم لا يجف، لا لأن الرحيل هو الفجيعة، بل لأن ما يحيط به من قسوة هو الفجيعة الأكبر. ليس الغياب ما ينهش المعنى، بل تلك القلوب التي تعلمت كيف ترى دون أن ترتجف، وكيف تعبر فوق الخراب دون أن تنكسر. كأن الغدر، في ذروته، لم يعد فعلًا طارئًا، بل بنية خفية تسند هذا العالم. هنا الخراب ليس مشهدًا، هو كقس عروبي كأن غرابًا أسود قد مد جناحيه فوق هذا الكوكب، يوزعون الأكفان بعدالة. وهنا، في هذا التوتر بين ما يخيم وما يُقاوَم، تستعيد القصيدة وظيفتها الأخيرة: لا أن ترثي، بل أن تفضح؛ لا أن تواسي، بل أن تكشف أن الفجيعة ليست في من رحل، بل في ما تبقى حيًا دون أن يشعر. المجد والسلام لروحها ولأرواح كل من سقط غدرًا في تلك الحرب الهمجية.
خاتون سلمى، لمن لا يعرفها، شاعرة وباحثة لبنانية بيروتية، خريجة الجامعة الأمريكية في بيروت. استشهدت في 8–9 نيسان 2026 مع زوجها إثر غارة جوية استهدفت منزلهما في منطقة تلة الخياط في بيروت.
من أعمالها:
وُصفت تجربتها بأنها تقوم على جماليات اللقطة المفردة، حيث كل قصيدة تبدو وحدة مستقلة، مكتفية بذاتها، كأنها أثر منفصل لا جزء من بناء كلي. لا تُختتم سيرة خاتون سلمى بحياة انتهت، بل بكتابة بلغت حدها الأقصى، حيث يتحول السقوط نفسه إلى شكل أخير من أشكال الارتقاء. (موقع: أخبار سوريا الوطن)
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة