جفاف بحيرة العتيبة: نداءات عاجلة لإحياء شريان الغوطة الشرقية ومصدر رزق الأهالي


هذا الخبر بعنوان "بحيرة العتيبة… من واحةٍ بيئية ومورد رزق إلى أرضٍ قاحلة بانتظار الإحياء" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتجدد المناشدات من أهالي بلدة العتيبة والنشطاء الإعلاميين في الغوطة الشرقية، شرقي دمشق، لإعادة تسليط الضوء على بحيرة العتيبة. فقد تحولت هذه البحيرة، التي كانت في السابق من أبرز المعالم البيئية ومصادر الرزق في المنطقة، إلى مساحة جافة خلال السنوات الماضية، مما دفع السكان للمطالبة بالسماح مجددًا بوصول مياه نهر بردى إليها، في خطوة يرونها حيوية لإحيائها واستعادة دورها.
يؤكد الأهالي أن قضية البحيرة تتجاوز كونها شأنًا بيئيًا بحتًا، لترتبط بشكل مباشر بحياة السكان واستقرارهم، خصوصًا مع تزايد الحاجة للمياه بعد عودة أعداد كبيرة منهم إلى البلدة عقب سنوات من النزوح. ويشيرون إلى أن إعادة تغذية البحيرة ستسهم في دعم المياه الجوفية، التي تشهد تراجعًا حادًا في المنطقة مقارنة بمناطق أخرى من الغوطة.
وفي حديث لأحد سكان البلدة، أوضح أن "بحيرة العتيبة كانت متنفسًا طبيعيًا للأهالي، يقصدونها للنزهات وتغيير الأجواء، كما شكّلت مصدر رزق لعشرات العائلات من خلال صيد الأسماك والطيور، إضافة إلى الاستفادة من نبات القصب الذي كان يُباع في الأسواق". وأضاف أن الفلاحين كانوا يعتمدون عليها في الزراعة، قبل أن تتحول اليوم إلى أرض قاحلة تفتقر لأبسط مقومات الحياة. ويشدّد السكان على أن إعادة إحياء البحيرة ستنعكس إيجابًا على الواقع المعيشي، إذ ستسهم في تغذية الحوض المائي للمنطقة، الذي يعاني من انخفاض كبير في منسوب المياه، حيث تصل أعماق استخراج المياه في العتيبة إلى نحو 150 مترًا، مقارنة بنحو 20 مترًا في مناطق أخرى من الغوطة الشرقية.
تُعد بحيرة العتيبة من أقدم التشكيلات الطبيعية في ريف دمشق، إذ تشير الدراسات إلى أنها بقايا بحيرة ضخمة كانت تغطي، قبل نحو 500 ألف عام، مساحات واسعة من دمشق وريفها. ومع التحولات المناخية التي شهدتها المنطقة، تراجعت مياهها تدريجيًا، لتفسح المجال لظهور الأراضي الخصبة التي شكّلت لاحقًا غوطة دمشق. وفي صورتها الحديثة، لم تتجاوز مساحة البحيرة نحو 6 كيلومترات مربعة، وقد شهدت تقلبات مستمرة بين الجفاف والامتلاء، إلى أن جفّت بشكل شبه كامل في منتصف القرن الماضي، قبل أن تتحول إلى سبخة موسمية تعتمد على الأمطار. ورغم ذلك، ظلت لعقود ملاذًا صيفيًا لأهالي دمشق، بفضل طبيعتها وتنوعها البيئي. وقد وصفها المستشرق الإيرلندي "بورتر" في منتصف القرن التاسع عشر بأنها "مساحة واسعة من المياه الصافية وسط مستنقع"، في إشارة إلى غناها الطبيعي وتنوعها البيئي في ذلك الوقت.
على الرغم من التغيرات التي طرأت عليها، شكّلت بحيرة العتيبة نظامًا بيئيًا مهمًا، إذ كانت موطنًا لعدد من النباتات والحيوانات، لا سيما الطيور المائية، مستفيدة من موقعها ضمن الأحواض المغلقة لنهر بردى. وقد أسهم هذا التنوع في دعم أنشطة اقتصادية محلية، اعتمدت على الصيد والزراعة واستخراج النباتات. كما اشتهرت المنطقة بصناعة "البواري" من القصب، والتي كانت تستخدم في تسقيف المنازل وتُصدّر إلى القرى المجاورة، إلى جانب الاستفادة من نباتات أخرى مثل البوط والسعد، ما جعل البحيرة عنصرًا أساسيًا في دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
اليوم، ومع تفاقم الجفاف والتصحر، يرى الأهالي أن إعادة إحياء بحيرة العتيبة لم تعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة بيئية وخدمية ملحة. ويطالبون الجهات المعنية والمنظمات البيئية بالتحرك العاجل لإعادة تغذيتها بالمياه، وإطلاق مشاريع مستدامة لإدارة الموارد الطبيعية والحفاظ على ما تبقى من التنوع الحيوي. كما يؤكد ناشطون أن إنقاذ البحيرة يمكن أن يشكّل خطوة أولى نحو استعادة التوازن البيئي في المنطقة، وتحسين الظروف المعيشية للسكان، في وقت تواجه فيه الغوطة الشرقية تحديات متزايدة على صعيد المياه والخدمات الأساسية.
في ظل هذه المعطيات، تبقى بحيرة العتيبة شاهدًا على تحولات بيئية عميقة، وأملًا معلقًا بجهود قد تعيد الحياة إلى واحدة من أبرز معالم الغوطة الشرقية. إن جفاف بحيرة العتيبة لا يعكس فقط أزمة بيئية عابرة، بل يكشف عن خلل عميق في إدارة الموارد المائية، ويهدد مستقبل الاستقرار المعيشي في المنطقة. وبينما تتصاعد مناشدات الأهالي، يبقى إحياء البحيرة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الجهات المعنية على الاستجابة، وإعادة الحياة إلى نظام بيئي كان يومًا شريانًا حيويًا للغوطة الشرقية.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي