رحيل الأديبة السورية كوليت خوري عن 95 عاماً: رائدة الأدب النسوي وصوت الجرأة الذي لا يغيب


هذا الخبر بعنوان "وفاة الأديبة السورية كوليت خوري.. صوت نسوي صاخب لا يغيب" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
نعى الوسط الأدبي والثقافي السوري والعربي الكاتبة والروائية السورية كوليت خوري، التي وافتها المنية عن عمر ناهز 95 عامًا. تُعدّ كوليت خوري حالة أدبية فريدة في الثقافة السورية، فقد كانت امرأة كتبت ذاتها بجرأة نادرة، وواجهت المجتمع بكلماتها الصادقة، فاتحةً آفاقًا واسعة أمام الأدب النسوي السوري والعربي ليغدو أكثر صدقًا وحرية. لقد صنعت من الكتابة مساحة للاحتجاج، ومن الأدب وسيلة لتحرير الصوت الأنثوي، لتظل واحدة من أبرز الأسماء التي تركت بصمة عميقة في مسار الرواية العربية الحديثة.
وُلدت كوليت خوري في مدينة دمشق عام 1931، لتبدأ بذلك حكاية واحدة من أكثر الأصوات النسوية جرأة في الأدب العربي الحديث. لم تكن نشأتها عادية، فهي حفيدة السياسي والمفكر فارس الخوري، أحد أبرز رجالات الاستقلال السوري، وهو ما منحها منذ الطفولة تماسًا مبكرًا مع عالم الفكر والنقاش العام. في منزلها، لم تكن الكتب مجرد زينة، بل جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، تُفتح كما تُفتح النوافذ على العالم. هذه البيئة الغنية دفعتها إلى الكتابة بوصفها حاجة داخلية مبكرة، حيث كانت، كما روت في أحاديثها ومقابلاتها، تلجأ إلى الورق لتقول ما لا تستطيع قوله بصوت مرتفع، وهكذا بدأت علاقتها باللغة، لا كأداة تعبير فحسب، بل كملاذ شخصي ومساحة للتمرد الصامت.
في مطلع شبابها، اختارت كوليت خوري دراسة الحقوق والأدب الفرنسي، متنقلة بين دمشق وبيروت، وهو ما أتاح لها الاطلاع على ثقافتين مختلفتين: العربية بعمقها التقليدي، والغربية بأسئلتها الحديثة. هذا التداخل الثقافي ظهر لاحقًا بوضوح في كتاباتها، التي جمعت بين الحس الرومانسي الأوروبي والقلق الاجتماعي الشرقي. عندما نشرت أولى أعمالها في عشرينيات عمرها، بعنوان “عشرون عامًا”، لم تمر مرورًا عاديًا، فكان صوتها مختلفًا، جريئًا، بل وصادمًا أحيانًا. ففي زمن كانت فيه الكتابة النسوية محكومة بسقف منخفض من الجرأة، جاءت كوليت خوري لتكتب عن الحب، والرغبة، والحرية، من داخل التجربة الأنثوية نفسها، لا من خارجها. ولم تكن تكتب عن المرأة بوصفها موضوعًا، بل بوصفها ذاتًا كاملة، تفكر وتشعر وتختار. شكلت روايتها الأشهر “أيام معه”، علامة فارقة في مسيرتها، إذ قدّمت نموذجًا لعلاقة عاطفية تُروى بلسان امرأة تعي ذاتها وتدافع عن حقها في الحب دون اعتذار. هذا الطرح أثار جدلًا واسعًا في الأوساط الثقافية والاجتماعية، لكنه في الوقت ذاته فتح الباب أمام جيل كامل من الكاتبات لكسر الصمت.
ومع توالي السنوات، لم تحصر كوليت خوري نفسها في جنس أدبي واحد، فكتبت الرواية والقصة القصيرة، وخاضت تجربة الشعر والمقالة، وامتدت إلى الكتابة المسرحية والدراسات التاريخية. تجاوز إنتاجها الأدبي الثلاثين كتابًا، توزعت بين نصوص ذاتية الطابع وأخرى تنشغل بالهم العام. وعملت أيضًا في الصحافة، فكانت مقالاتها امتدادًا لصوتها الأدبي، تحمل الروح ذاتها: جرأة في الطرح، ووضوح في الموقف، واهتمام خاص بقضايا المرأة والمجتمع. كما عملت في التدريس الجامعي، ما أتاح لها الاحتكاك بجيل جديد من القراء والكتّاب، وأسهم في ترسيخ حضورها الثقافي. لم تنأى عن الحياة السياسية ولم تبتعد عن الشأن العام، إذ دخلت الحياة السياسية لفترة، وانتُخبت عضوًا في مجلس الشعب السوري في تسعينيات القرن الماضي. هذا الحضور لم يكن منفصلًا عن كتابتها، فالمرأة التي دافعت عن حرية الفرد في نصوصها، سعت أيضًا إلى التعبير عن هذه القيم في الفضاء العام.
ما يميز تجربة كوليت خوري لغتها الشفافة التي تميل إلى البساطة دون أن تفقد عمقها، وتغلب عليها نبرة وجدانية صادقة، وكتبت كما لو أنها تهمس للقارئ، لكنها في الوقت نفسه طرحت أسئلة كبيرة حول الحب، والحرية، والقيود الاجتماعية. على امتداد مسيرتها، بقيت كوليت خوري وفية لفكرة أساسية: أن الكتابة فعل حرية، فلم تسعَ إلى إرضاء المجتمع بقدر ما سعت إلى مواجهته، ولم تحاول التخفف من جرأتها بمرور الزمن، بل حافظت على صوتها كما بدأ: صريحًا، شخصيًا، ومشاكسًا.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة