رحيل كوليت خوري: وداع أيقونة الأدب السوري وشاهدة على تاريخ دمشق ونضال المرأة


هذا الخبر بعنوان "وإلى كوليت ألف سلام" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في صباح يوم الجمعة الحزين، الذي وصفه مالك صقور بـ 'جمعة الآلام'، فاضت روح الأديبة السورية الكبيرة كوليت خوري لتلتحق بالرفيق الأعلى، في يوم تزامن مع الجمعة العظيمة. بينما انبثقت أشعة الشمس بمزيج من النور والحزن، اكتست شوارع دمشق بسكينة عميقة، وتفتحت أزهار الياسمين بصمت مودعةً أيقونة نادرة من أيقونات المدينة.
في دمشق القديمة، حيث يتحد المكان والزمان بالتاريخ والجغرافيا، وحيث يعبق الياسمين في أحيائها الأثرية وشوارعها وأزقتها وعماراتها، سيبقى صدى صوت كوليت خوري مجلجلاً. هذا الصوت الذي بقي ينادي بالحرية والعدالة والمساواة لأكثر من ستين عاماً. في هذا اليوم، بينما يستعد العالم للاحتفال بالقيامة، يودع السوريون أديبة أغنت المكتبة العربية برواياتها الجريئة وقصصها التي حملت هموم الناس وأوجاعهم.
لم تكن كوليت خوري مجرد كاتبة؛ بل كانت مرآة تعكس دمشق وسوريا والوطن العربي. منذ بداياتها، اتسمت بالجرأة والشجاعة، مناضلةً من أجل تحرير المرأة، إيماناً منها بأن تحرير المرأة هو تحرير للمجتمع بأكمله. بدأت كوليت مسيرتها عام 1957 بنشر قصائدها الأولى باللغة الفرنسية، والتي لاقت صدى جميلاً في الوسط الثقافي. وفي عام 1959، صدرت روايتها ذائعة الصيت "أيام معه"، التي دشنت بها مرحلة جديدة في كتابة المرأة، تميزت بالجرأة وإنهاء سطوة الخوف، مبشرةً بانعتاق المرأة من قيود المجتمع المتخلف. تابعت كوليت إبداعها بين الشعر بالفرنسية والرواية والقصة والمقالة في الصحف والمجلات العربية.
ولدت كوليت ونشأت في بيت عريق يجمع بين السياسة والأدب. فجدها هو فارس بك الخوري، الذي تولى رئاسة الوزراء في سوريا ثلاث مرات، وكان رئيساً للبرلمان السوري، ووزيراً للأوقاف والمالية والعدل والمعارف (التربية والتعليم). يُعد فارس بك الخوري من الآباء المؤسسين للجمهورية السورية، ويعود له الفضل في استقلال سوريا. من مواقفه الشهيرة، عندما حاولت فرنسا استمالة الطائفة المسيحية إبان احتلالها لسوريا، أبلغ الجنرال غورو فارس الخوري بأن فرنسا جاءت لحماية مسيحيي الشرق. فتوجه فارس الخوري إلى الجامع الأموي يوم الجمعة وصعد المنبر مخاطباً المصلين: "إذا كانت فرنسا تدعي أنها احتلت سوريا لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين، فأنا كمسيحي أطلب الحماية من شعبي السوري، وأنا كمسيحي من هذا المنبر أشهد أن لا إله إلاّ الله". فاستقبله المصلون بحفاوة وحملوه على الأكتاف في مظاهرة جابت أحياء دمشق، وانضم إليها مسيحيو دمشق وهم يهتفون: "لا إله إلاّ الله". كما أن قصته في الأمم المتحدة خلال جلسة استقلال سوريا مشهورة.
وكما يعود الفضل لفارس بك الخوري في استقلال سوريا، يعود لحفيدته الأديبة الكبيرة كوليت الفضل في جمع أوراقه. إن رحيل كوليت ليس وداعاً لكاتبة كبيرة فحسب، بل هو وداع لشاهدة على هذا العصر بكل أفراحه وأتراحه. لقد كانت كوليت، مثل جدها، وطنية بامتياز ووفية مخلصة لشعبها وقرائها. وكما قالت هي في حفل تأبين الراحل الكبير نزار قباني: "قصتي مع نزار قصة مرحلة كاملة من تاريخ دمشق بمجتمعها آنذاك، وسياستها ووطنيتها وحماستها. تلك الحماسة التي كنا نحملها في كياننا. إن غياب نزار.. هو رحيل مرحلة كاملة من هذا الوطن.. سجلّها شعراً… وعشناها نبضاً وأنفاساً وخلجات قلب..".
وبعد أن وجه نبيل خوري، رئيس تحرير مجلة "المستقبل"، لها ألف سلام ذات عمر، نقول اليوم في هذا اليوم الحزين: وإلى كوليت ألفين سلام.
سياسة
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي