هذا الخبر بعنوان "من وحي خطبة الوداع ..ماذا أراد لنا رسول الله ﷺ؟*" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُقدم المهندس نضال رشيد بكور مقالاً حول خطبة الوداع، التي ألقاها النبي محمد ﷺ في يومٍ عظيم من أيام التاريخ، على صعيد عرفة الطاهر. وقف النبي ﷺ بين عشرات الآلاف من المسلمين، مدركاً قرب اكتمال أيامه في الدنيا، ليُوجز للأمة طريق النجاة بكلمات لم تكن مجرد خطبة عابرة، بل كانت دستورَ حياةٍ صالحاً لكل زمان ومكان.
لم يقتصر حديثه ﷺ على الطقوس والشعائر فحسب، بل تناول جوهر الإنسان وكرامته، وحرمة دمه وماله وعرضه، مؤكداً على قيم العدالة والرحمة والأمانة والمساواة والضمير. لقد استهل رسول الله ﷺ خطبته بتقرير مبدأٍ جوهري، لو التزمت به البشرية اليوم، لانتهت حروبٌ عديدة وتوقفت أنهار الدم، حين قال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام". إنه لدينٌ عظيم جعل حرمة الإنسان أسمى من حرمة المكان والزمان، ورسالةٌ سامية جاءت لتحفظ الإنسان قبل الحجر، والكرامة قبل المصالح.
وبكلماتٍ قليلة، هدم النبي ﷺ كل إرث الجاهلية، مُعلناً إلغاء الثأر والانتقام والاستغلال، ومُحارباً الربا الذي يأكل الفقراء، والطبقية التي تجعل القوي يبتلع الضعيف. وكقائدٍ حقيقي يبدأ بنفسه، لم يبدأ النبي بإلغاء ربا الناس عامة، بل بدأ بربا عمه العباس، وكأنه يُعلن للبشرية جمعاء أن: "العدل الذي لا يمر على الأقربين ليس عدلاً".
ثم جاءت وصيته ﷺ بالنساء في زمنٍ كانت المرأة تُباع وتُورث وتُهان، فوقف ليقول: "فاتقوا الله في النساء"، جاعلاً العلاقة بين الرجل والمرأة قائمة على الرحمة والمسؤولية والأمانة، لا على القهر والاستعلاء. ولعل أعظم ما تحتاجه البشرية اليوم، وسط صراعات العرق والطائفة واللون والقومية، هو ذلك الإعلان الإلهي الخالد الذي صدح به النبي ﷺ فوق أرض عرفة: "لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى". فكم من الحروب كانت ستتوقف لو فهم الناس هذه الجملة، وكم من القلوب كانت ستصفو لو أدرك البشر أن قيمة الإنسان ليست باسمه ولا نسبه ولا لونه، بل بأخلاقه وعمله وتقواه؟
ثم ترك لنا ﷺ طوق النجاة حين قال: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله". وكأن النبي ﷺ كان يرى ما سيأتي على الأمة من اختلافٍ وضياعٍ وتنازع، فأرشدها إلى البوصلة التي لا تنكسر. وفي ختام هذا المشهد العظيم، رفع ﷺ إصبعه إلى السماء وقال: "اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد"، وكأنها لحظة تسليم الرسالة الأخيرة للبشرية.
واليوم، بعد أكثر من أربعة عشر قرناً، ما أحوج العالم إلى خطبة الوداع هذه! ما أحوجنا إلى احترام الدماء وردّ الحقوق ومحاربة الظلم ونبذ الكراهية وإحياء الرحمة بين الناس. فليست المشكلة أن المسلمين لا يقرأون خطبة الوداع، بل المشكلة أن كثيرين يقرؤونها ولا يعيشونها. رحم الله نبياً ما ترك باب خير إلا دلّنا عليه، ولا باب شر إلا حذرنا منه. صلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي الحبيب المحبوب عالي القدر عظيم الجاه، وعلى آله وصحبه وسلم، يوم خطب في عرفة، ويوم بكى شوقاً لأمته، ويوم قال: "أمتي… أمتي"، فكان رحمةً للعالمين. كل عام وأنتم وأسركم بألف خير وصحة. (المصدر: موقع أخبار سوريا الوطن)
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة