سوريا: جدل واسع حول إشراك القطاع الخاص في إدارة المستشفيات الحكومية.. تطمينات رسمية ومخاوف شعبية من ارتفاع تكاليف العلاج


هذا الخبر بعنوان "إشراك القطاع الخاص في إدارة مستشفيات حكومية.. بين الحاجة إلى تحسين الخدمات والمخاوف من ارتفاع تكاليف العلاج" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثارت ميساء العلي، حديث هيئة الاستثمار السورية حول إمكانيات الشراكة مع القطاع الخاص في إدارة بعض المستشفيات الحكومية، جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية. يأتي هذا الجدل في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها المواطنون، لا سيما الفئات الأكثر هشاشة، ووسط مخاوف من الآثار المحتملة لهذه الخطوة على قدرتهم على الوصول إلى العلاج. ورغم تأكيد الدولة استمرار دورها كضامن أساسي للرعاية الصحية، يبقى السؤال مطروحاً حول كيفية الموازنة بين جذب الاستثمار وتحسين الخدمات دون المساس بحقوق الفئات الأكثر ضعفاً.
يذكر أن عدد المستشفيات التابعة لوزارة الصحة قد ارتفع من 70 مستشفى قبل التحرير إلى 90 مستشفى باستثناء مستشفيات الجزيرة، حيث وصل العدد الكلي بعد تحريرها إلى أكثر من 130 مستشفى بمختلف المحافظات. كما يجري العمل على إعادة تفعيل 38 مستشفى خارج الخدمة، والتي تعرضت لأضرار جزئية أو كلية بسبب الإهمال وجرائم النظام المخلوع.
وكان رئيس هيئة الاستثمار، طلال الهلالي، قد تحدث في تصريحات سابقة عن توجه الحكومة لمنح القطاع الخاص دوراً مباشراً في إدارة 71 مستشفى حكومياً، بهدف الاستفادة من عوائد هذه المنشآت. لكن هيئة الاستثمار أكدت في بيان لاحقاً أن الواقع الطبي لن يشهد تغييراً يمس جوهر دوره الوطني، وأن الدولة ستبقى الضامن الأساسي للعلاج، ولن يُحرم أي سوري من حقه في الطبابة بسبب وضعه المادي.
وفي بيان صدر يوم الخميس، أوضحت الهيئة أن ما صُرّح عنه في مقابلة إعلامية مؤخراً حول خصخصة المستشفيات الحكومية، هو بحث في نماذج إدارة حديثة بالشراكة مع القطاع الخاص، بهدف تحسين آليات العمل والخدمات المقدمة، بما يرفع الكفاءة ويخدم المواطن أولاً لضمان وصول العلاج لكل مواطن بكرامة. وأشارت الهيئة إلى أن قلق المواطنين مفهوم ومحل تقدير، وذلك استناداً إلى التفاعل الواسع الذي شهدته منصات التواصل الاجتماعي والآراء المشروعة التي عبّر عنها الرأي العام حول مستقبل المستشفيات الوطنية. وشددت الهيئة في بيانها على أن الصحة ليست للبيع، وأن أي نموذج سيتم اعتماده سيكون تحت إشراف الدولة ورقابتها الكاملة، وبما يصون حقوق المواطنين ويرتقي بمستوى الخدمات الصحية.
من جهته، أكد مدير مديرية المنشآت الصحية في وزارة الصحة، واصل الجرك، أن الوزارة مستمرة في تحسين الخدمات في مستشفياتها الحكومية عبر تحديث الأجهزة الطبية وتأهيل البنية التحتية. كما يجري العمل على إعادة تفعيل 38 مستشفى خارج الخدمة وإطلاق مشاريع جديدة لجذب الاستثمار في هذا القطاع. وأوضح الجرك أن الهدف من التشجيع على الاستثمار في المجال الطبي هو تنفيذ مشاريع نوعية غير متوفرة حالياً في سوريا، تسهم في تخفيف أعباء سفر المرضى إلى الخارج لتلقي مثل هذه الخدمات أو الحصول عليها عبر مستشفيات القطاع الخاص، كزرع الأعضاء منها الكبد ونقي العظم وغيرها.
وشدد الجرك على أن الوزارة تتولى تنظيم المشاريع الاستثمارية ومراقبتها وضبطها، بما يضمن بيئة استثمارية صحية، مع إلزام المستثمرين بتخصيص نسبة مجانية أو أجور منخفضة لقاء الخدمات المقدمة للمرضى السوريين في حالات خاصة، إضافة إلى خدمات مدفوعة التكاليف للمرضى من داخل وخارج البلاد. وقال الجرك إن وزارة الصحة تعتمد نموذجاً مشابهاً في شراكتها مع الجانب التركي في مستشفيي دمر بدمشق والأورام في حلب، حيث طرحت إدارة المستشفيين سابقاً فرض رسوم على المرضى، إلا أن الوزارة أصرت على أن تكون الخدمات مجانية بالكامل في الوقت الحالي.
وأضاف الجرك أن الوزارة بحثت إمكانية شراء الخدمة من القطاع الخاص في مجال التشخيص المخبري والشعاعي داخل المستشفيات الحكومية، بهدف تحديث الأجهزة وضمان جودة الخدمة ومنع انقطاعها، مؤكداً أن الوزارة هي التي تدفع تكاليف هذه الخدمة من المستشفيات الخاصة، وليس المرضى، وسيتم الإعلان عن التفاصيل مسبقاً في حال اعتماد هذا النظام.
استبعد الخبير الاقتصادي الدكتور فراس شعبو، بيع المستشفيات الحكومية إلى القطاع الخاص، حالياً أو مستقبلاً، مؤكداً أن هذه المسألة حساسة وتمس الكفاءات الصحية والعدالة الاجتماعية في الوقت ذاته. وأوضح شعبو لصحيفة “الثورة السورية” أن ما قد يحدث هو إشراك القطاع الخاص في إدارة وتشغيل المستشفيات، بهدف تحسين الأداء وتقليل الهدر وإدخال تقنيات طبية حديثة تحفز الأطباء، ما يجعل المستشفيات العامة أكثر قدرة على تقديم الرعاية الصحية للمواطنين، خصوصاً في ظل الوضع الحالي الصعب. وأشار إلى أن مشاركة القطاع الخاص قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، لكن الدولة قادرة على التدخل بتحديد سقف للأسعار ودعم الفئات الأكثر هشاشة عبر نظام التأمين الصحي.
من جهته، رأى المحلل الاقتصادي شادي سليمان، أن خصخصة المستشفيات تهدف عادة إلى تحسين الكفاءة وتقليل الأعباء المالية على الدولة، عبر نقل إدارة المؤسسات إلى القطاع الخاص، الذي يُفترض أن يكون أكثر قدرة على الاستثمار والتطوير. ومن الممكن أن يؤدي ذلك إلى رفع جودة الخدمات الطبية وتحديث المعدات وتحسين مستوى الكوادر الصحية. مع ذلك، غالباً ما تكون هذه الفوائد مشروطة بقدرة المواطنين على تحمّل تكاليف الخدمات الصحية. وبالنسبة للفئات الفقيرة، قد تشكل خصخصة المستشفيات عبئاً كبيراً، إذ كانت المستشفيات العامة الملاذ الأساسي لهم. ومع انتقال الإدارة للقطاع الخاص، من المرجح أن ترتفع تكاليف العلاج، ما قد يمنع شريحة واسعة من المواطنين من الوصول إلى الرعاية الصحية أو يدفعهم لتأجيل العلاج، بما يزيد من الحالات الصحية والتكاليف على المدى الطويل.
وأضاف سليمان لصحيفة “الثورة السورية” أن ضعف نظام التأمين الصحي يزيد من مخاطر هذا التحول، إذ لا توجد حماية كافية للفئات الهشة من ارتفاع الأسعار، ما قد يوسع الفجوة الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء، ويؤدي إلى آثار غير مباشرة مثل زيادة معدلات الفقر ولجوء بعض الأسر للاستدانة أو بيع ممتلكاتها لتغطية تكاليف العلاج، إضافة إلى التأثير السلبي على الإنتاجية الاقتصادية. ولتخفيف هذه الآثار، اقترح سليمان تبني سياسات مرافقة تشمل دعم الفئات الفقيرة بشكل مباشر، وتوسيع نظام التأمين الصحي، وفرض رقابة صارمة على أسعار الخدمات الطبية في القطاع الخاص، لضمان عدم استغلال المواطنين. وأشار إلى أن خصخصة المستشفيات الحكومية تمثل سيفاً ذا حدين، إذ يمكن أن تحسن القطاع الصحي من حيث الجودة والكفاءة، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر كبيرة على العدالة الاجتماعية، ما يستلزم تخطيطاً دقيقاً وإجراءات حماية فعالة لضمان أن تبقى الصحة متاحة للجميع.
أوضحت الباحثة الاقتصادية رشا سيروب، لصحيفة “الثورة السورية”، أن للخصخصة مفهومين: ضيق وواسع. وأشارت إلى أن الخصخصة بالمعنى الضيق تعني نقل ملكية القطاع العام إلى القطاع الخاص، وهو أمر مرفوض وغير منصوص عليه قانونياً. أما الخصخصة بالمعنى الواسع، فتتمثل في تخلي الدولة جزئياً أو كلياً عن جزء من مهامها لصالح القطاع الخاص. ولفتت سيروب إلى أن ما تقوم به الحكومة حالياً من منح امتيازات أو استثمارات للقطاع الخاص وفق نظام POT وشراكات بين القطاع العام والخاص يُعد شكلاً من أشكال الخصخصة، مضيفة أن الاعتراض على “مبررات طرح القطاع العام للقطاع الخاص”.
وأضافت أن أجرة ليلة في غرفة بمستشفى خاص تعادل مثيلتها بفندق، محذرة من زيادة أعداد الوفيات وانتشار الأمراض، لأن ارتفاع أسعار الخدمات الصحية سيؤدي إلى حرمان المواطن من الاستفادة منها. وأضافت أن بيانات الأمم المتحدة تشير إلى أن 12.8 مليون سوري بحاجة إلى مساعدات صحية، وأن 83 بالمئة من الأسر أنفقت أموالاً على الصحة خلال الأشهر الستة الماضية، مما يسلط الضوء على الإنفاق المباشر الواسع النطاق وعوائق القدرة على تحمل التكاليف. كما ذكرت أن الأمراض المعدية لا تزال مصدر قلق بالغ للصحة العامة، وأن الأمراض غير المعدية تسهم بنحو 70 بالمئة من الوفيات، فيما تبلغ نسبة المجتمعات المحلية التي تبلّغ عن عدم توفر الأدوية لعلاج الأمراض غير المعدية 58 بالمئة. وأكدت أنه “لا يجب التعامل مع الصحة والخدمات الحياتية على أنها تجارة”.
رأى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، أن الاقتصاد السوري يواجه ضعفاً بنيوياً عميقاً يعوق قدرته على استعادة مسار التعافي، ويُعد نقص التمويل في القطاعات الاقتصادية العامة أحد أبرز التحديات التي تكبح أي محاولة للنهوض، إذ تعاني معظم القطاعات الإنتاجية والخدمية من نقص حاد في الموارد المالية اللازمة لإعادة التشغيل أو التحديث. وقال قوشجي لصحيفة “الثورة السورية”، إن فتح باب الاستثمار الخاص في القطاعات العامة يمثل محاولة لتعويض غياب التمويل الحكومي، ورغم أن هذا التوجه يبدو من حيث المبدأ خطوة منطقية، فإن تطبيقه في قطاعات حساسة مثل الصحة والتعليم يحمل آثاراً اجتماعية واقتصادية خطيرة، خصوصاً في بلد تتراوح فيه نسبة الفقر بين 80 بالمئة و90 بالمئة من السكان، إذ سيؤدي استثمار القطاع الخاص في الخدمات الأساسية إلى ارتفاع تكاليفها، ما يزيد العبء على الفئات الأكثر هشاشة ويعمّق فجوة عدم المساواة.
وأشار قوشجي إلى أن الأجدى، وفق منطق التنمية الاقتصادية، أن يتجه الاستثمار نحو القطاع الصناعي العام بوصفه القاطرة القادرة على تحريك عجلة الاقتصاد. وأوضح أن القطاع الصناعي يمتلك القدرة على خلق فرص عمل واسعة تستوعب شرائح كبيرة من القوى العاملة، وتنشيط سلاسل الإنتاج وتحفيز الاستثمارات المساندة في النقل والخدمات والطاقة والمواد الأولية، ورفع مستويات الدخل وبالتالي تعزيز القدرة الشرائية للمواطنين، وتوسيع القاعدة الضريبية وزيادة الإيرادات العامة دون تحميل المجتمع أعباء إضافية. واختتم قائلاً: “تطوير القطاع الصناعي العام وتحويله إلى محرك للنمو كان سيؤدي إلى تحسين مستويات المعيشة، ما يجعل المواطنين أكثر قدرة على تحمل تكاليف الخدمات الصحية والتعليمية حتى إذا تم استثمارها لاحقاً من قبل القطاع الخاص، بعد تحقيق حد أدنى من التعافي الاقتصادي”.
سوريا محلي
اقتصاد
سوريا محلي
اقتصاد