السويداء: صراع الشرعيات وتحديات الإدارة في ظل حراك شعبي وتدخلات حكومية


هذا الخبر بعنوان "السويداء.. صراع شرعيات وأزمة إدارة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تعيش محافظة السويداء مرحلة بالغة الحساسية، في ظل مشهد معقد تتداخل فيه الأبعاد السياسية والاجتماعية، وسط محاولات لإعادة تشكيل بنيتها الإدارية، وتصاعد مستمر في وتيرة الاحتجاجات الشعبية التي تعكس عمق الأزمة المعيشية والسياسية التي تمر بها.
فقد شهدت مدينة السويداء، في 5 من نيسان الحالي، وقفة احتجاجية لأهالي المدينة في ساحة “الكرامة”، طالب خلالها المشاركون بتنحي “اللجنة القانونية العليا” قبل حلها، وذلك على خلفية تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، بحسب ما أفادت به مراسلة عنب بلدي.
وفي أعقاب ذلك، أعلن الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري، حل “اللجنة القانونية العليا” وتشكيل “مجلس الإدارة في جبل باشان”. في المقابل، أصدر محافظ السويداء، مصطفى البكور، قرارًا بتكليف سامر شفيق عزي برئاسة مجلس مدينة السويداء، دون توضيح تفاصيل القرار، خاصة أن المدينة تُدار من قبل الرئاسة الروحية.
تتجه الأنظار إلى طبيعة التحولات الجارية، وما إذا كانت تمهد لحل مستدام أم تعمق حالة الغموض، في ظل قرارات تصدر تباعًا من المرجعيات المحلية، وخطوات حكومية تبدو منفصلة عن الواقع الميداني.
مع تصاعد الحراك الشعبي وظهور مطالبات علنية بالتغيير، وتزامُن ذلك مع قرارات مفصلية على مستوى الإدارة المحلية، يبدو المشهد في السويداء وكأنه يدخل مرحلة جديدة.
يرى الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، في حديث إلى عنب بلدي، أن التظاهرات الأخيرة ضد “اللجنة القانونية” شكّلت نقطة تحوّل، إذ عبّرت عن حالة سخط شعبي من القوى المسيطرة، وعن تراجع الثقة بها. الأمر الذي دفع إلى اتخاذ خطوات داخلية، في محاولة لإعادة ترتيب البيت الداخلي وامتصاص حالة الغضب الشعبي.
كما أن هذه التغييرات، بحسب الباحث، جاءت في سياق السعي للحفاظ على رصيد الثقة الذي لا تزال تحظى به الرئاسة الروحية، والتي تتمتع بثقل اجتماعي ومجتمعي مهم، ما يجعل الحفاظ على هذه الثقة أولوية لدى مختلف الفاعلين المحليين.
أما الناشط السياسي والمتحدث الإعلامي باسم “التيار الثالث”، الدكتور كنان مسعود، فيرى أن المظاهرة التي طالبت بحل “اللجنة القانونية” شكّلت “تحريفًا للغضب الشعبي” بعيدًا عن الجهة التي تحتكر القرار في السويداء، معتبرًا أن تحميل “اللجنة” المسؤولية كان محاولة لتجنب تسمية الفاعل الحقيقي. وأكد مسعود أن حل “اللجنة” وتشكيل مجلس جديد هو تغيير شكلي لا يمس جوهر المشكلة.
تسلّط بعض الحوادث الأخيرة الضوء على إشكالية العلاقة بين الحكومة المركزية والواقع المحلي في السويداء، خاصة مع استمرار صدور قرارات رسمية تقابلها ردود فعل ميدانية رافضة، ما يعكس حالة من التباين في مفهوم السلطة والصلاحيات.
وأحدث تلك القرارات ما صدر عن وزارة التربية بتعيين صفوان بلان مديرًا للتربية في السويداء، ما أثار الجدل في المدينة، وأدى إلى اقتحام مجموعة مسلحة المديرية، ما دفعه للاعتذار عن مهامه.
تعكس حادثة الاعتداء على مديرية التربية رفضًا متزايدًا لأي تعيينات حكومية تُفرض من دمشق، كما تكشف في الوقت ذاته عن خلل في ضبط السلاح داخل المجتمع المحلي، حيث باتت الخلافات تُحسم في كثير من الأحيان بالقوة، ما يزيد من هشاشة الوضع الأمني، بحسب قراءة الدكتور سمير العبد الله.
وفي المقابل، فإن إصرار الحكومة في دمشق على المضي في إصدار التعيينات يندرج ضمن محاولاتها تثبيت الشرعية القانونية والإدارية، بحسب الباحث، منوهًا إلى أن هذه الخطوات غالبًا ما تأتي بنتائج عكسية، إذ يُنظر إليها محليًا كاستفزاز، خاصة في ظل غياب توافق سياسي مسبق، كما حصل في تجارب أخرى مثل التفاهمات مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
بدوره، اعتبر الناشط السياسي كنان مسعود أن حادثة الاعتداء على مدير التربية تعكس حالة التخبط والانفلات الأمني، محذرًا من خطورة تسييس ملف التعليم، الذي يراه مدخلًا أساسيًا لإعادة الربط بين السويداء والدولة، ومن سرديات مضللة تم الترويج لها سابقًا. كما أشار إلى أن قرارات التعيين الحكومية، رغم ضعف أدوات تنفيذها، ضرورية للحفاظ على الارتباط المؤسسي مع الدولة، واستمرار حياة المواطنين، مؤكدًا أن أي حديث عن انفصال فعلي يبقى غير واقعي.
بالتوازي مع التعقيدات السياسية والأمنية التي تحيط بملف السويداء، يطرح واقع الجمود الحالي تساؤلات حول أسباب استمرار هذا الملف دون حلول جذرية، رغم تراكم الأزمات وتزايد الضغوط على مختلف الأطراف المعنية.
وهنا يعتبر الباحث العبد الله أن ملف السويداء يُعدّ من أكثر الملفات تعقيدًا، نظرًا إلى تداخل الأبعاد السياسية والأمنية والعلاقات الخارجية فيه، ما جعله يتجاوز كونه خلافًا بين طرفين، ليدخل في حالة من “اللا حسم”. وشرح ذلك بأنه من جهة، لم تتمكن الدولة من استعادة سيطرتها الكاملة على المحافظة، ومن جهة أخرى، لم تنجح القوى المحلية في بناء سلطة مستقرة وقادرة على إدارة المشهد، وقد أدى هذا الجمود إلى حالة من الاحتقان المتزايد لدى الأهالي، الذين بدؤوا يفقدون صبرهم مع استمرار غياب الحلول.
بينما يرى الناشط السياسي والمتحدث الإعلامي باسم “التيار الثالث”، الدكتور كنان مسعود، في تقييمه للواقع الداخلي، أن مفهوم الشرعية جرى توظيفه لاحتكار القرار عبر خطاب المظلومية، بينما تم تحويل مطالب الناس إلى أدوات للاستثمار السياسي بدلًا من حلها، في ظل تدهور معيشي وخدمي واضح.
ويطرح “التيار الثالث” رؤية تقوم على تحويل مطالب الأهالي إلى خطة عمل واقعية ومجدولة زمنيًا، تبدأ بملفات قابلة للحل كالتعليم، وصولًا إلى العدالة وعودة المهجرين، مع ضرورة تحييد الملفات الإنسانية عن الصراع السياسي، وفقًا لمسعود. و”التيار الثالث” مبادرة أعلنت خارطة طريق تهدف إلى حماية المجتمع ومنع الانزلاق إلى الفوضى، من خلال إنشاء “هيئة الإنقاذ المدني في السويداء”، وهي هيئة مدنية. وقد أصدر الموقعون على المبادرة، والبالغ عددهم 21 شخصًا، بيانًا في مطلع شباط الماضي، قالوا فيه إن “التيار” فرضه واقع الاستعصاء في محافظة السويداء، وهذا ما أدى إلى رفع صوتهم بـ”جرأة وشفافية”، انطلاقًا من مسؤوليتهم الأخلاقية والتاريخية تجاه حماية المجتمع، وضمان استقراره وكرامته وأمانه.
أمام هذا المشهد المركب، تتزايد الحاجة إلى طرح رؤى وأفكار عملية يمكن أن تسهم في إعادة صياغة العلاقة بين السويداء ومحيطها الوطني، وفتح الباب أمام مقاربات جديدة لمعالجة التحديات السياسية التي تواجهها المحافظة.
وبحسب ما قاله الباحث الدكتور سمير العبد الله، فالحل لا يكمن في فرض الوقائع من أي طرف، بل في التوصل إلى تسوية تدريجية واقعية، تقوم على التفاوض بين مختلف الأطراف، بهدف الوصول إلى صيغة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار، وتمنع الانزلاق نحو الفوضى، مع الحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية. كما يتطلب ذلك التوافق على نموذج إدارة محلية ضمن إطار الدولة، يضمن مشاركة حقيقية لأهالي السويداء في إدارة شؤون منطقتهم، وفي مؤسسات الحكم المركزي، بما يعزز الشعور بالشراكة ويخفف من حدة التوتر.
أما المتحدث باسم “التيار الثالث”، كنان مسعود، فدعا إلى مقاربة حكومية شاملة لملف السويداء، تتضمن بُعدًا إنسانيًا واضحًا، وخطوات عملية للمحاسبة والتعويض وتحسين الخدمات، ضمن خطاب وطني جامع يحافظ على وحدة سوريا.
وكان الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري، قد أعلن تشكيل “مجلس الإدارة في جبل باشان”، مكلفًا القاضي شادي مرشد بمهمة تشكيله. وبحسب بيان نشرته الرئاسة الروحية للموحدين الدروز، في 7 من نيسان الحالي، فإن ذلك يأتي ضمن مرحلة جديدة من التنظيم، في أعقاب التحديات التي مرت بها المحافظة منذ أحداث تموز 2025. وشدد البيان على أن هذا المجلس “يجب أن يكون صرحًا إداريًا مبنيًا على معايير مهنية بحتة، مبتعدًا عن أي شكل من أشكال المحاصصة، لضمان وضع الشخص المناسب في المكان المناسب من ذوي الاختصاص العلمي والخبرة”. وأكد البيان أن الإدارة الحالية هي “إدارة أزمة” هدفها انتشال المجتمع من تداعيات “الحصار والعدوان الأخير”، وتأمين سبل العيش الكريم للأهالي، وحماية الأمن الداخلي من أي محاولات لكسر البنية الاجتماعية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة