الجزيرة وتحدي الحياد في تغطية الحرب: هل سقطت في فخ التوازن الزائف؟


هذا الخبر بعنوان "هل مثلت “الجزيرة” نفسها في تغطية الحرب؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على مدى قرابة الأربعين يومًا، تابع ملايين العرب باهتمام بالغ مجريات الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. لطالما اعتادت قناة "الجزيرة" العمل من موقع مريح، حيث لم تكن النزاعات السابقة تطال دول الخليج، ومن ضمنها قطر. إلا أن هذه الحرب شهدت تحولًا لافتًا، فوفقًا لتقديرات خليجية غير موحدة، استهدفت إيران دول الخليج والأردن بأكثر من ستة آلاف هجوم جوي حتى تاريخ إعلان الهدنة مع الأمريكيين.
كان لقطر نصيب بالمئات من هذه الهجمات، حيث أصاب بعضها مرافق اقتصادية حيوية مثل موقع رأس لفان للغاز، كما استهدف مطار الدوحة المدني، وخلّفت هجمات أخرى إصابات بين المدنيين. وفي المقابل، أطلقت إيران نحو 650 صاروخًا باليستيًا باتجاه إسرائيل خلال الفترة ذاتها.
في الثامن من نيسان، يوم إعلان الهدنة، أعلنت وزارة الدفاع القطرية تعرض الدولة لهجوم بسبعة صواريخ باليستية وعدد من المسيّرات مصدرها إيران، في حين لم تسجل أي صواريخ إيرانية أُطلقت على إسرائيل في ذلك اليوم. اللافت أن قناة "الجزيرة" حافظت، طوال أيام الحرب وحتى اللحظة، على استضافة محللين إيرانيين مثل حسن أحمديان عبر استوديوهاتها التحليلية، مانحة إياهم مساحة واسعة لعرض الرؤية الإيرانية، حتى في الأوقات التي كانت فيها صفارات الإنذار تدوي داخل استوديوهات القناة. هذا الاستمرار في النهج، رغم التهديد المستمر، يثير تساؤلًا مهنيًا عميقًا يتجاوز مجرد تحديد المعتدي والضحية، ليطال جوهر السرد الإعلامي وكيفية تقديمه.
تتحول الاستوديوهات الإعلامية في أوقات الحروب إلى خطوط تماس موازية، وتغدو القرارات التحريرية جزءًا لا يتجزأ من المعركة. هنا يبرز تساؤل مهني جوهري: هل يكفي تحقيق "التوازن" بين طرفين متحاربين لضمان العدالة في التغطية؟ وماذا لو كان هناك طرف ثالث، مثل قطر، تتضرر مرافقه المدنية من الضربات الصاروخية ويتعرض للابتزاز الأمني والتخويف؟
في الحرب الأخيرة، تعاملت قناة "الجزيرة" ببرود مبالغ فيه، وكأنها بمنأى عن الصراع، رغم أنها كانت على مرمى النيران وتمثل أداة ناعمة لدولة قطر المتضررة. إن إشكالية تغطية القناة، التي تُعد مدرسة ألهمت آلاف الصحفيين وأثرت في الرأي العام منذ انطلاقتها عام 1996، لا تكمن في فتح المجال للرأي الآخر كمعيار للمهنية، بل في تبنيها لموقف يصفه بعض الدارسين بـ "الحياد الزائف"، حيث وضعت أطرافًا غير متكافئة في موقع متساوٍ شكليًا.
من الممكن اعتبار غياب محلل إسرائيلي عن شاشتها جزءًا من موقف سياسي مبدئي، مما يؤكد أن للسياسة حضورًا وافرًا في خطها التحريري، وأن منصة النقاش لا تستضيف جميع الأطراف. لكن ما يثير استفسارًا مهنيًا أعمق، حتى بمعزل عن الموقف السياسي، هو تقديم محلل إيراني للرواية الحكومية لطهران بشكل كامل، رغم استهداف إيران للجوار العربي، ومنه دولة قطر.
يطرح هذا تساؤلات حول كيفية تعامل مؤسسة إعلامية مع خطاب طرف يهاجم موقعها الجغرافي ومحيطها، وهو ليس طرفًا مباشرًا في المعركة. هل يكفي منحه مساحة تحت شعار "التعددية"؟ وهل هناك نقطة معينة يصبح فيها هذا الخيار محل مساءلة؟
تُظهر تجارب سابقة تعقيدات التوازن الإعلامي في الحروب. فخلال حرب العراق عام 2003، سعت "BBC" للحفاظ على توازن دقيق بين الرواية الحكومية البريطانية والانتقادات الموجهة لها. إلا أن هذا التوازن تحول إلى أزمة مهنية وسياسية بسبب الجدل حول ملف أسلحة الدمار الشامل، حيث اتُهمت "BBC" بمنح مساحة زائدة للسردية الرسمية وأخرى زائدة للطعن بها، مما أربك الحقيقة بدلًا من خدمتها.
في سياق مختلف، واجهت "CNN" انتقادات واسعة بسبب نموذج "الصحفيين المرافقين للقوات"، ورغبتها في التواجد داخل قلب الحدث، وهو ما أخل بدوره بمبدأ التوازن.
تشير نماذج "الجزيرة" و"BBC" و"CNN" إلى وجود أزمة بنيوية في اتخاذ القرارات التحريرية خلال فترات الحروب. وتلعب عدة عوامل دورًا في هذه الأزمة، منها:
تطرح هذه التساؤلات ما إذا كانت "الجزيرة" قد وقعت في مأزق الأزمة، وهل كانت إدارتها للمحتوى غير مستعدة للمرونة التي يتطلبها الوضع؟ أم أنها نجحت في الحفاظ على استراتيجيتها كأداة تأثير ناعمة؟ يبقى السؤال الأخير والأهم: هل مثلت "الجزيرة" الجمهور، أم الفاعلين، أم نفسها في تغطية هذه الحرب؟ إن الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة، بل تتطلب مراجعة داخلية معمقة للمؤسسة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة