عيد الأضحى في سوريا: بهجة العيد تتحدى مرارة الحرب وواقع الأزمات المعيشية


هذا الخبر بعنوان "سوريا 24 ترصد عيد الأضحى بين فرح السوريين وذاكرة الحرب" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في صباح عيد الأضحى المبارك، بدت المدن السورية وكأنها تسعى لهدنة مؤقتة مع سنواتها الشاقة. منذ بزوغ الفجر، اكتظت المساجد والساحات بالمصلين، بينما استعادت الشوارع جزءاً من حيويتها المعتادة. تداخلت في هذا المشهد الطقوس الدينية مع محاولات السوريين الحثيثة لاستعادة تفاصيل حياة أرهقتها الحرب الطويلة، والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، والنزوح المستمر.
في مدينة حلب، أدى الرئيس أحمد الشرع صلاة العيد في جامع عبد الله بن عباس، الواقع بالقرب من دوار الفرس، بحضور عدد من الوزراء ووجهاء المدينة. عقب الصلاة، التقى الشرع بوجهاء وأعيان محافظة حلب، حيث تبادل معهم التهاني بعيد الأضحى المبارك، في لقاء حمل طابعاً اجتماعياً ورسائل تهدف إلى إعادة ترميم العلاقة بين السلطة والمجتمع المحلي. وخلال زيارته، دوّن الشرع رسالة تذكارية جاء فيها: "شيء مهيب أن تقف أمام عظمة التاريخ في حلب الشهباء… اللهم احمِ حلب وأهلها وأعنّا على خدمتهم". بدت هذه العبارة محاولة لاستحضار المكانة التاريخية للمدينة التي ما تزال تحمل آثار الحرب على أحيائها القديمة وأسواقها ومعالمها الثقافية.
في شوارع حلب، حضرت تفاصيل العيد اليومية بشكل أوضح من أي خطاب رسمي. قرب المقابر، توافدت العائلات لزيارة قبور أقارب فقدوا خلال سنوات الحرب أو النزوح أو الاعتقال. في المقابل، شهدت حديقة السبيل ازدحاماً لافتاً بالعائلات والأطفال الذين خرجوا للاحتفال بالعيد وسط أجواء بسيطة، لكنها كانت كافية لخلق لحظات فرح مؤقتة.
وفي شمال سوريا، نقل مراسلو "سوريا 24" صلاة عيد الأضحى من أحد مخيمات مدينة أعزاز، حيث اجتمع النازحون بين صفوف الخيام لأداء الصلاة وتبادل التهاني. هناك، بدا العيد أقل صخباً وأكثر ارتباطاً بفكرة الصمود اليومي؛ أطفال بملابس جديدة يتجولون فوق طرقات ترابية، وعائلات تسعى للحفاظ على طقوس اعتادت عليها قبل سنوات النزوح. كما رصدت الشبكة صلاة العيد في مدينة تل رفعت وبلدة قبتان الجبل بريف حلب، حيث امتلأت المساجد والساحات بالمصلين منذ ساعات الصباح الأولى.
أما في مدينة حمص، فقد استعادت الأحياء القديمة شيئاً من حيويتها مع حلول العيد. في حي باب الدريب ومحيط مسجد العصياتي، تبادل الأهالي التهاني وسط حركة ملحوظة في الأسواق والشوارع الضيقة التي بدأت تستعيد تدريجياً إيقاعها الاجتماعي. كما نقلت "سوريا 24" مشاهد صلاة العيد من مسجد خالد بن الوليد، أحد أبرز المعالم الدينية في المدينة.
وفي محافظة إدلب، تحولت ساحة باب الهوى بمدينة سرمدا إلى نقطة تجمع كبيرة للمصلين، حيث أدى مئات الأهالي صلاة العيد في مشهد عكس الطابع الجماعي والشعبي للمناسبة، في منطقة ما تزال تعيش تحديات إنسانية واقتصادية معقدة.
وفي الجنوب السوري، رصدت "سوريا 24" صلاة العيد في المسجد العمري بمدينة درعا، قبل أن يتوجه كثير من الأهالي إلى المقابر، في طقس اجتماعي بات جزءاً ثابتاً من الأعياد السورية خلال السنوات الأخيرة، حيث تختلط التهاني بذكرى الغائبين.
وفي محافظة الحسكة، نقلت الشبكة صلاة عيد الأضحى من مسجد النبي محمد بمدينة الشدادي، بينما شهدت مدينة القامشلي مظاهر فرح متواضعة للأطفال، مع انتشار الألعاب والبسطات في الساحات العامة. كما رصد مراسلو "سوريا 24" صلاة العيد في قرية كسرة شيخ الجمعية بريف الرقة الجنوبي، حيث اجتمع الأهالي في الساحات المفتوحة والمساجد لتبادل التهاني وإحياء الطقوس التقليدية للعيد.
وعلى صعيد آخر، بدا المشهد الاقتصادي حاضراً بقوة حتى في تفاصيل الاحتفال على مواقع التواصل الاجتماعي. فقد طرحت "سوريا 24" سؤالاً تفاعلياً على متابعيها: "كم تبلغ قيمة العيدية في منطقتكم؟"، لتتحول التعليقات إلى انعكاس مباشر للتفاوت المعيشي بين المناطق السورية. بعض المتابعين تحدثوا عن عيديات تصل إلى خمسين ألف ليرة سورية، فيما اختار آخرون السخرية للتعبير عن ضيق الحال، إذ كتب أحدهم: "عمو شو يعني عيدية؟". وفي مناطق الشمال السوري، حيث أصبحت الليرة التركية جزءاً من الحياة اليومية، تراوحت العيديات بين 10 و100 ليرة تركية تبعاً لأعمار الأطفال والوضع الاقتصادي للعائلات.
ورغم اختلاف المشاهد بين مدينة وأخرى، بدا واضحاً أن العيد في سوريا لم يعد مناسبة للوفرة بقدر ما أصبح مساحة قصيرة لمحاولة استعادة الإحساس بالحياة الطبيعية. فبين المساجد والمخيمات والمقابر والحدائق العامة، يحاول السوريون، عاماً بعد آخر، الحفاظ على الطقوس التي تمنحهم شعوراً بالاستمرار، حتى وإن تغيّرت البلاد من حولهم بصورة يصعب تجاهلها. وفي بلدٍ ما تزال ذاكرته مثقلة بالخسارات، بدا عيد الأضحى هذا العام أقرب إلى لحظة جماعية للتمسك بما تبقى من الروابط الاجتماعية والتفاصيل الإنسانية الصغيرة. فالعيد هنا لم يعد مجرد مناسبة دينية، بل محاولة متكررة لاستعادة الإحساس بالحياة، ولو لساعات قليلة؛ في ضحكة طفل، أو زيارة عائلة لمقبرة، أو فنجان قهوة صباحي يجتمع حوله الأقارب الذين فرّقتهم السنوات وأعادتهم المناسبة، مؤقتاً، إلى ذاكرة المكان الأولى.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي