زيارة زيلينسكي لدمشق: تحولات إقليمية ورسائل استراتيجية مزدوجة إلى موسكو وأنقرة


هذا الخبر بعنوان "دمشق تفتح أبوابها لكييف.. رسائل مزدوجة إلى موسكو وأنقرة" نشر أولاً على موقع North Press وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يمكن قراءة زيارة الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي إلى دمشق، التي تزامنت مع زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، على أنها مجرد مصادفة بروتوكولية. فبحسب ديميتري بريجع، يمثل هذا الحدث تحركاً سياسياً محسوباً بدقة، يعكس تشكّل هندسة إقليمية جديدة حول سوريا. تشير المعطيات إلى أن اللقاء لم يقتصر على محادثة ثنائية بين زيلينسكي والشرع، بل شمل أيضاً صيغة ثلاثية بحضور تركيا، تناولت ملفات الأمن والدفاع والطاقة والبنية التحتية. وهذا يؤكد أن المسألة تتجاوز زيارة رمزية، إلى محاولة لبناء مسار سياسي وأمني جديد يربط دمشق بكييف عبر البوابة التركية.
تتحرك أوكرانيا على مستويات متعددة من خلال هذه الزيارة. أولاً، تكسر الصورة التقليدية التي تختزل سوريا كساحة نفوذ روسي شبه حصري، وتبعث رسالة بأنها قادرة على الدخول إلى مناطق كانت موسكو تعتبرها جزءاً من عمقها الجيوسياسي. ثانياً، يسوّق زيلينسكي بلاده كشريك أمني لا يقدّم خطاباً سياسياً فحسب، بل خبرة عسكرية متراكمة من سنوات الحرب مع روسيا، خصوصاً في مواجهة المسيّرات والصواريخ. ثالثاً، تربط كييف حضورها بملفات الأمن الغذائي، مقدّمة نفسها مورداً موثوقاً للحبوب، إضافة إلى دورها في التجارة البحرية والبنى التحتية، ما يحوّل الزيارة من تحرك سياسي عابر إلى عرض شراكة متكامل.
تأتي هذه الزيارة ضمن مسار أوسع تنتهجه أوكرانيا في الشرق الأوسط، حيث تحرك زيلينسكي سابقاً في تركيا ودول الخليج، وأعلن عن خطوات للتعاون الأمني مع أنقرة، كما ناقش مشاريع في البنية التحتية للغاز وتطوير الحقول. وتحدثت تقارير عن اتفاقات عسكرية طويلة الأمد مع السعودية وقطر، واقتراب اتفاق مماثل مع الإمارات. وبالتالي، فإن زيارة دمشق ليست معزولة، بل جزء من استراتيجية أوكرانية تقوم على تحويل خبرة الحرب إلى ورقة نفوذ دبلوماسي وأمني، في لحظة إقليمية يرتفع فيها الطلب على الخبرة الدفاعية.
أما تركيا، فهي في قلب هذا المشهد، وليست مجرد طرف مرافق. فحضور هاكان فيدان، الرئيس السابق للاستخبارات التركية، يعكس سعي أنقرة لتثبيت نفسها كقناة رئيسية لأي انفتاح استراتيجي على دمشق. ولا تكتفي تركيا بإدارة علاقة سياسية مع سوريا، بل توسّع نفوذها في ملفات أعمق، من الأمن والدفاع إلى الاقتصاد والمال. فبعد أيام من الزيارة، تحدثت تقارير عن تسارع التنسيق بين البنكين المركزيين التركي والسوري، وسعي مصارف تركية لدخول السوق السورية. وبعبارة أخرى، تسعى أنقرة إلى ترسيخ معادلة مفادها أن أي تعاون أمني أو اقتصادي مع دمشق يمر عبرها.
غير أن لهذا الدور بعداً أمنياً حساساً، إذ تدرك تركيا أن سوريا ليست مجرد ساحة لإعادة الإعمار، بل مساحة تنافس إقليمي وعسكري معقد. وفي هذا السياق، كانت أنقرة قد درست نشر قوات في قواعد جوية سورية ضمن تفاهم دفاعي، قبل أن تستهدف إسرائيل بعض تلك المواقع. كما أشار فيدان إلى اتصالات تقنية مع إسرائيل لتفادي الاحتكاك في الأجواء السورية. وهذا يعكس محاولة تركية لإدارة توازن دقيق: تعزيز الحضور داخل سوريا من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل، ومن دون ترك المجال لروسيا أو قوى أخرى.
أما دمشق، فهي المستفيد الثالث من هذا المشهد. فالقيادة السورية الجديدة تسعى إلى صياغة سياسة خارجية مرنة تقوم على تنويع الشراكات، وتقليل الارتهان لمحور واحد. واستقبال زيلينسكي بالتزامن مع الحضور التركي يوجّه رسالة واضحة: سوريا الجديدة لا تريد أن تبقى أسيرة ترتيبات قديمة، بل تسعى إلى توسيع هامش المناورة، والاستفادة من تركيا في الاقتصاد والأمن، ومن أوكرانيا في التدريب والخبرة العسكرية والأمن الغذائي. كما تستخدم هذا الانفتاح لتحسين شروط التفاوض مع روسيا بشأن مستقبل وجودها العسكري. فمع استمرار وجود قاعدتين روسيتين في سوريا، تسعى دمشق إلى إعادة تعريف هذا الوجود، وربما تحويله إلى صيغة تدريبية. وفي هذا السياق، يشكّل حضور أوكرانيا في دمشق ضغطاً سياسياً غير مباشر على موسكو، داخل ساحة كانت تُعد تقليدياً ضمن نفوذها. ولا يعني ذلك بالضرورة قطيعة مع روسيا، بل محاولة لإعادة التفاوض معها من موقع أكثر قوة وتنوعاً.
في المحصلة، ما يجري ليس مجرد تقاطع زيارات، بل مؤشر على إعادة رسم توازنات الشرق الأوسط، وبروز مقاربات جديدة في إدارة التحالفات الإقليمية.
ثقافة
سياسة
سياسة
سياسة