مشاريع دمشق الفاخرة: هل هي إعمار للمدينة أم إقصاء لسكانها؟


هذا الخبر بعنوان "دمشق.. إعادة إعمار أم إعادة إقصاء" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قلب دمشق، أُعلن مؤخرًا عن مشروع سياحي ضخم يحمل اسم "ذا بومنت". يضم هذا المشروع فندقًا فاخرًا، ومرافق ترفيهية، ومركزًا تجاريًا، ومساحات مصممة لنمط حياة يميل إلى الرفاهية، بعيدًا عن الواقع السوري الراهن. هذا الإعلان ليس حدثًا منفردًا، بل هو حلقة جديدة ضمن سلسلة متكررة من المشاريع الكبرى.
قبل أشهر قليلة، تم الكشف عن حزمة استثمارية ضخمة تجاوزت قيمتها 14 مليار دولار (حسب الإعلان الرسمي)، شملت أكثر من 12 مشروعًا متنوعًا، منها مطار و"مترو" ومشاريع عقارية وتجارية كبرى. يبرز هنا تناقض صارخ بين صور مدينة تُبنى وتُعرض على الشاشات، وواقع بلد يعيش هشاشة اقتصادية واجتماعية عميقة.
لا تكمن الإشكالية في فكرة المشاريع بحد ذاتها أو في الحلم بمدن حديثة، فالحلم ضروري لأي عملية إعادة بناء. من البديهي أن المجتمع الذي خرج من ويلات العنف يحتاج إلى تصور لمستقبله ليتعافى. لكن السؤال الحقيقي ليس في وجود هذا الحلم، بل في موقعه: هل يمثل امتدادًا للواقع أم قطيعة معه؟
عندما ينفصل الحلم عن الشروط المعيشية للناس، يفقد وظيفته كأفق ممكن، ويتحول إلى مجرد تعويض أو صورة تُنتج للعرض لا للعيش. كيف يمكن تصور دمشق، الخارجة لتوّها من حرب طويلة، محاطة بحزام واسع من البؤس والدمار، وفي وسطها وحولها تبرز جزر معزولة من الرفاهية والترف؟
هذا المشهد ليس غريبًا على التجربة السورية. فمنذ منتصف الألفية، وتحديدًا بعد عام 2005، بدأت موجة "المولات" التجارية بالانتشار، خاصة في مناطق مثل كفرسوسة. كان بإمكان المرء أن يدخل إلى فضاء مكيف ونظيف ومضاء مليء بالمطاعم والعلامات التجارية العالمية، ثم يخرج مباشرة إلى أحياء عشوائية يغلب عليها الفقر المدقع وواقع مختلف جذريًا.
هذا التباين ليس حكرًا على سوريا، بل هو سمة عالمية في الدول التي تشهد تفاوتًا طبقيًا صارخًا. يروي الكاتب أحمد عسيلي تجربة شخصية في نيودلهي، حيث نصحته صاحبة المنزل بزيارة مركز تجاري قريب. هناك، وجد عالمًا من الرفاهية والمطاعم والمقاهي بأسعار تضاهي أوروبا. لكن بمجرد الخروج من هذا الفضاء المغلق، يواجه المرء مشهدًا مختلفًا تمامًا من المشردين والفقر والحياة اليومية التي لا تشبه ما رآه قبل دقائق، حيث كان ثمن فنجان قهوة داخل "المول" يكفي لإطعام عدة أشخاص في الخارج.
الخوف لا يكمن في وجود هذه الفضاءات بحد ذاتها، بل في تحولها إلى النموذج السائد: جزر منعزلة من الرفاهية محاطة ببحر من الحرمان. هذا الانقسام بين واقعين لا يلتقيان سيكون له أثر نفسي مدمر على الإنسان السوري. مع تكرار هذه المشاهد، يتشكل شعور خفي بالاغتراب؛ فالمدينة التي يعيش فيها الفرد لم تعد تعكس حياته، بل تعرض أمامه نمطًا من العيش لا يمتّ إليه بصلة.
مع مرور الوقت، لا يقتصر الأمر على الفارق الاقتصادي، بل يتحول إلى قلق مبهم ناتج عن التناقض المستمر بين ما يُعرض وما يُعاش. قد يتطور هذا إلى شكل من الانسحاب أو الاكتئاب، حيث يفقد الفرد إحساسه بأن أي تغيير محتمل يمكن أن يشمله. في بعض الحالات، يتحول هذا التفاوت إلى شعور بالإهانة الصامتة، كأن المدينة لا تُقصيه فحسب، بل تذكّره باستمرار بأنه ليس جزءًا مما يُبنى فيها.
لا يتعلق الأمر هنا فقط بالفجوة الاقتصادية أو بالتمايز الاجتماعي، بل بعلاقة أعمق بين الإنسان والمكان الذي يعيش فيه. فالمدينة ليست مجرد إطار خارجي، بل تشكل امتدادًا نفسيًا للذات، تحمل ذاكرة الفرد وتمنحه إحساسًا بالاستمرارية والانتماء. الشوارع التي يسير فيها، والمقاهي التي يعرفها، والأسماء التي ألفها، كلها عناصر تشكّل جزءًا من هويته اليومية.
عندما تتغير هذه العناصر بطريقة لا تعود تشبهه، لا يشعر الفرد بالغربة عن المكان فحسب، بل بنوع من الانفصال عن ذاته، كأن جزءًا من تاريخه الشخصي لم يعد له مكان، أو كأن المدينة التي كانت تؤطّر حياته بدأت تنسحب منه. هنا، لا يكون الاغتراب مجرد شعور عابر، بل يتحول إلى فقدان تدريجي للانتماء، وإلى قلق أعمق يتعلق بموقع الفرد نفسه داخل هذا الفضاء: أين مكاني في مدينة لم تعد تعكسني؟
بهذا المعنى، لا تعود المسألة مرتبطة فقط بما يُبنى، بل بمن يُعاد تعريفه من خلال هذا البناء. فحين تُعاد صياغة المدينة وفق صور لا تخصّ سكانها، لا يفقد الناس أماكنهم فحسب، بل يفقدون أيضًا جزءًا من أنفسهم التي كانت تجد في هذه الأماكن امتدادها الطبيعي. كأن المدينة لم تعد تُبنى لتُعاش، بل لتُشاهد، وستكون مشاهدة مصحوبة بالحسرة وعدم الانتماء.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي