دمشق بين تحديات الاستثمار والتنمية المستدامة: صراع على رئات المدينة وذاكرتها الحرفية


هذا الخبر بعنوان "دمشق تحت مجهر الاستدامة: هل يبتلع الزحف الاستثماري رئات المدينة وذاكرتها الحرفية؟" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يواجه المشهد السوري اليوم جملة من التناقضات التي تستدعي إعادة تقييم معمقة للمنطق العمراني والاقتصادي الحديث. فبينما يُروّج لـ "المشاريع الصغيرة" كقاطرة للنمو، يضغط الواقع الميداني على هذه المشاريع الحيوية في أسواق تاريخية مثل "المناخلية". إن ما تشهده المدينة ليس مجرد "تحديث"، بل هو تحدٍ تنظيمي يطال البنية التحتية للخدمات الأساسية وهيكلية دمشق التاريخية، مما يستلزم مراجعة دقيقة لـ "شروط الدمج" بين الاستثمارات الضخمة واحتياجات السكان المحليين.
لطالما مثلت الورش الحرفية والمشاريع المتناهية الصغر الشريان الحيوي للاقتصاد السوري، ودعامة صموده في وجه أصعب الأزمات. إن التوجه نحو إخلاء سوق "المناخلية" ومحيطه، تحت ذريعة التجميل العمراني، يثير تساؤلات جدية حول "التكلفة غير الملموسة" لهذا الإجراء. فالتراث يتجاوز كونه مجرد "مشهد بصري" للسياح؛ إنه يمثل "وظيفة اجتماعية واقتصادية" أصيلة. إن تفكيك هذه التجمعات الحرفية يقضي على "المعرفة التراكمية" التي لا يمكن اكتسابها في الجامعات، ويحوّل الاقتصاد العضوي الحي إلى كيانات معزولة ضمن مدن صناعية تفتقر إلى روح السوق التاريخي. إن الحداثة الحقيقية تكمن في تأهيل هذه البيئات الحرفية في مواقعها الأصلية، لا استبدالها بمساحات خالية من الروح.
تُعد أراضي "كيوان" وبساتين "العدوي" بمثابة رئات طبيعية لمدينة دمشق التي تواجه ضغوطاً بيئية متزايدة. إن الإعلان عن مشاريع سياحية ضخمة تقدر بمئات الملايين في هذه المناطق يستوجب إجراء دراسات تقييم أثر بيئي (EIA) بمنتهى الدقة. فاستبدال البساتين المنتجة تاريخياً والأشجار الكثيفة بمدن ألعاب مائية أو مجمعات تجارية قد يحقق "نمواً رقمياً" ظاهرياً، لكنه سيؤدي حتماً إلى تدهور "جودة الحياة" للمواطنين.
إن تحويل "الحق في الطبيعة" إلى "خدمة مدفوعة الأجر" من خلال خصخصة هذه المساحات يقلص من الفضاءات المتاحة للمواطن محدود الدخل، ويحوّل الرئة الخضراء إلى امتياز عقاري بدلاً من كونها حقاً عاماً مكفولاً للجميع.
لا يمكن فصل التوسع العمراني في قلب العاصمة عن التآكل المستمر للمساحات الزراعية في "الغوطة" وريف دمشق. إن تحويل الأراضي الزراعية إلى كتل إسمنتية يهدد الأمن الحيوي والغذائي للمجتمع. لذا، هناك حاجة ماسة لتبني مشاريع وطنية كبرى تهدف إلى إعادة التشجير ودعم الثروة الحيوانية في المناطق الريفية، بالإضافة إلى توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار عادلة. إن استدامة الدولة تبدأ من قدرة أراضيها على العطاء، وهو استثمار لا يقل أهمية عن أي مشروع عقاري ضخم.
إن محاولات استنساخ معالم دمشقية حجرية، مثل الطراز "الأموي"، فوق مساحات كانت خضراء في محافظات أخرى كـ "دير الزور"، تعكس انفصالاً عن الهوية العمرانية الأصيلة. فالهوية لا يمكن استيرادها أو استنساخها؛ بل تُبنى من خلال احترام خصوصية البيئة المحلية وتلبية الحاجة الطبيعية للسكان للمساحات المفتوحة، بعيداً عن الجمود الشكلي الذي يفضل الحجر على الشجر.
تستدعي التحولات الجارية في قطاعات الخدمات السيادية، مثل الكهرباء والاتصالات والآن الصحة، التأكيد على دور الدولة كـ "منظم وضامن" لهذه الخدمات.
قد يهدف تحويل المستشفيات العامة إلى هيئات مستقلة مالياً إلى رفع كفاءتها، لكن يجب ألا يتم ذلك على حساب "الوصول الشامل" للخدمة الصحية. فالصحة والتعليم يشكلان ركيزتي السلم الاجتماعي، وأي خلل في عدالة توزيعهما قد يؤدي إلى تصدعات في العقد الاجتماعي الوطني.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الإدارة الحضرية اليوم لا يقتصر على "جذب الاستثمار" فحسب، بل يمتد إلى توجيه هذا الاستثمار ليصبح صديقاً للبيئة وداعماً للمجتمع. دمشق لا تحتاج لأن تكون "نسخة" مقلدة لمدن أخرى، بل تحتاج إلى استعادة روحها كمدينة منتجة، خضراء، وشاملة لجميع أبنائها. الاستثمار الناجح هو الذي يشيد الأبراج دون أن يقتلع جذور الزيتون في "العدوي" أو يطمس مطارق النحاس في "المناخلية". إن الحفاظ على "الملكية العامة" للمجال الحضري هو السبيل الوحيد لضمان استقرار المدينة وازدهارها المستقبلي.
بقلم: د. أمين صعب - زمان الوصل
سياسة
سياسة
سياسة
ثقافة