اكتشاف بقايا برنامج الأسد الكيماوي يثير تساؤلات حول مسار المحاسبة في سوريا


هذا الخبر بعنوان "العثور على بقايا برنامج الأسد الكيماوي.. هل يفتح باب المحاسبة؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عنب بلدي – ركان الخضر
بعد مرور أكثر من عام ونصف على سقوط نظام الأسد في 8 من كانون الأول 2024، ورغم التعاون الذي أبدته الحكومة السورية الجديدة مع منظمة حظر الأسلحة الكيماوية لتدمير برنامج السلاح الكيماوي العائد للنظام السابق، تتكشف أسرار جديدة حول هذا الملف الذي أرق السوريين لسنوات طويلة، إثر مجازر عديدة ارتُكبت بحقهم بهذا السلاح المحرّم دوليًا.
في 26 من أيار الحالي، نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول سوري تأكيده أن السلطات السورية عثرت على بقايا برنامج الأسلحة الكيماوية السري الذي كان يديره رئيس النظام المخلوع، بشار الأسد. وأوضح المسؤول أن المواد المكتشفة تشمل مواد خام وذخائر مشابهة لتلك التي استُخدمت في هجمات بالغاز خلال سنوات الحرب في سوريا. وأضاف أن السلطات تمكنت من انتشال أكثر من 70 صاروخًا وقنبلة كانت جزءًا من برنامج الأسلحة الكيماوية.
اعتبر الخبير في القانون الدولي، المعتصم الكيلاني، أن الإعلان عن اكتشاف بقايا برنامج الأسلحة الكيماوية التابع للنظام السابق يمثل تطورًا قانونيًا وحقوقيًا بالغ الأهمية. وأوضح أن أحد أبرز التحديات التي واجهت مسارات المحاسبة في السنوات الماضية كان يتمثل في صعوبة الوصول إلى الأدلة المادية المباشرة المرتبطة بالبنية التنظيمية والفنية للبرنامج الكيماوي.
وأضاف الكيلاني أن وجود مستودعات أو مواد أو وثائق أو سجلات تشغيل مرتبطة بالبرنامج، يمكن أن يعزز بشكل كبير سلسلة الأدلة المطلوبة لإثبات المسؤولية الجنائية. ولا يقتصر ذلك على المنفذين المباشرين فحسب، بل يشمل أيضًا المسؤولين السياسيين والعسكريين الذين أصدروا الأوامر، أو سهلوا التنفيذ، أو امتنعوا عن منع وقوع الجرائم رغم علمهم بها.
وأشار إلى أن استخدام الأسلحة الكيماوية يُعد انتهاكًا خطيرًا لاتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية لعام 1993 من الناحية القانونية. كما يمكن أن يرقى، وفقًا لظروف الاستخدام وطبيعته، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي الإنساني ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وبناءً على هذه الشروحات القانونية، يرى الكيلاني أن الاكتشاف الجديد قد يسهم في إعادة فتح أو تعزيز ملفات تحقيق قائمة أمام هيئات أوروبية ودولية تعتمد مبدأ الولاية القضائية العالمية. كما يمكن أن يدعم تقارير الآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسوريا (IIIM)، ويوسع نطاق المسؤولية ليشمل البنية الإدارية والأمنية والعلمية التي شاركت في إدارة البرنامج.
ويمكن أن يسمح العثور على أدلة جديدة بربط وقائع الهجمات الكيماوية المختلفة ضمن نمط ممنهج ومنظم، وهو عنصر أساسي لإثبات الجرائم ضد الإنسانية التي تتطلب إثبات وجود سياسة دولة أو هجوم واسع النطاق ضد المدنيين.
وفي سياق العدالة الانتقالية، يحمل الكشف العلني عن بقايا البرنامج، بحسب الخبير القانوني المعتصم الكيلاني، قيمة تتعلق بحق الضحايا والمجتمع في معرفة الحقيقة، وهو أحد الأعمدة الأساسية لأي عملية عدالة انتقالية حقيقية.
أفاد المندوب الدائم لسوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في لاهاي، محمد كتوب، بأن السلطات السورية اعتقلت 18 شخصًا يُشتبه بتورطهم في برنامج الأسلحة الكيماوية التابع للنظام السابق. وأوضح كتوب، في مقابلة مع “رويترز”، أن المعتقلين بينهم مسؤولون عسكريون وسياسيون وفنيون كبار، دون الكشف عن تفاصيل إضافية حول هوياتهم أو طبيعة التهم الموجهة إليهم.
وفي هذا الصدد، قال الخبير القانوني المعتصم الكيلاني إن توقيف مسؤولين كانوا جزءًا من البرنامج الكيماوي قد يشكل نقطة تحول حاسمة في ملف المحاسبة. وأوضح أن هذه القضايا لا تعتمد فقط على الأدلة التقنية، بل تعتمد بشكل كبير على إثبات التسلسل القيادي وآليات اتخاذ القرار داخل المؤسسات العسكرية والأمنية.
وأشار الكيلاني إلى أن وجود متهمين قيد الاحتجاز قد يسمح للجهات القضائية بالحصول على اعترافات أو إفادات مباشرة. هذه الإفادات قد تشمل معلومات حول أماكن تخزين الوثائق والمواد، وأسماء مسؤولين أعلى رتبة، وتفاصيل تتعلق بسلسلة الأوامر العسكرية والأمنية، بالإضافة إلى آليات نقل المواد الكيماوية أو استخدامها.
ونوه إلى أن توقيف المشتبه بهم يسهم إجرائيًا في حماية الأدلة من الإتلاف أو التلاعب، ومنع التأثير على الشهود، وتسهيل التعاون القضائي الدولي، وتمكين المحققين من بناء ملفات أكثر تماسكًا أمام المحاكم.
كذلك، يرى الكيلاني أن وجود مسؤولين موقوفين داخل سوريا قد يفتح المجال أمام تعاون مباشر مع آليات التحقيق الدولية، سواء عبر تبادل المعلومات أو السماح بالوصول إلى المواقع والأرشيف، وهو أمر كان شبه مستحيل خلال فترة حكم النظام السابق.
وأوضح الكيلاني أن التعامل مع هذه الاعتقالات ضمن إطار قانوني مستقل وشفاف قد يمثل بداية لمسار أوسع يتعلق بمساءلة كبار المسؤولين، وليس فقط الموظفين أو المنفذين الأدنى رتبة.
وربط الخبير القانوني المعتصم الكيلاني القيمة القانونية لهذه الاعتقالات بعدد من الشروط، شملت ضمان المحاكمات العادلة واحترام حقوق الدفاع، بالإضافة إلى منع استخدام الاعترافات المنتزعة بالإكراه وإتاحة الرقابة القضائية المستقلة. وأكد أن الإخلال بهذه الضمانات قد يضعف شرعية المحاكمات ويؤثر على إمكانية الاستفادة من نتائجها دوليًا.
أوضح الخبير القانوني المعتصم الكيلاني أن القانون السوري يمتلك بعض النصوص العامة المتعلقة بالقتل والتعذيب والتخريب واستخدام المواد المحظورة. إلا أن الإطار القانوني الحالي لا يزال يعاني من فجوات كبيرة عند التعامل مع الجرائم الدولية الكبرى، وعلى رأسها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية واستخدام الأسلحة الكيماوية.
وأضاف أن أبرز هذه الفجوات تتمثل في أن التشريعات السورية التقليدية صُممت أساسًا للتعامل مع الجرائم الجنائية العادية، وليس مع الانتهاكات واسعة النطاق والمنهجية التي ارتُكبت خلال النزاع السوري. كما أن القانون السوري، وفق الكيلاني، لا يتضمن بصورة متكاملة تعريفات واضحة للجرائم ضد الإنسانية ومبدأ مسؤولية القادة والرؤساء وآليات حماية الشهود والضحايا، أو قواعد خاصة بالأدلة المتعلقة بالجرائم الدولية.
إضافة إلى ذلك، أضعفت سنوات النزاع استقلال السلطة القضائية بشكل عميق، وكرست تدخل الأجهزة الأمنية والسياسية في عمل القضاء، وهو ما يطرح تحديات كبيرة أمام أي عملية محاسبة حقيقية، بحسب الكيلاني.
وأشار الكيلاني إلى أن المرحلة الانتقالية تبرز حاجة ملحة إلى إصلاحات قانونية ومؤسساتية واسعة. تتضمن هذه الإصلاحات تعديل قانون العقوبات بما ينسجم مع القانون الدولي، وإدماج الجرائم الدولية ضمن التشريعات الوطنية، بالإضافة إلى تعزيز استقلال القضاء وإنشاء دوائر أو محاكم متخصصة بالجرائم الجسيمة، وإقرار منظومة متكاملة للعدالة الانتقالية.
كما قد يكون من الضروري، بحسب الخبير القانوني الكيلاني، الاستفادة من نماذج “العدالة الهجينة” التي تجمع بين القضاء الوطني والخبرات الدولية، لضمان النزاهة والكفاءة، خاصة في الجرائم المعقدة مثل ملف الأسلحة الكيماوية.
ونوه الكيلاني إلى أن تعذر تحقيق المحاكمات الفعالة داخليًا سيؤكد أهمية المسارات الدولية والولاية القضائية العالمية، التي استخدمتها عدة دول أوروبية خلال السنوات الماضية لمحاكمة متهمين بارتكاب جرائم في سوريا.
وأكد أن نجاح أي عملية محاسبة لن يقاس فقط بإصدار الأحكام، بل بقدرتها على كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا وضمان عدم التكرار، واستعادة الثقة بالمؤسسات القضائية في سوريا الجديدة.
خلال فترة حكمه، استخدم النظام السابق الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين في أماكن متفرقة بسوريا، أبرزها في ريف دمشق. بدأ استخدام هذا السلاح المحرّم دوليًا في 21 من آب 2013، عندما نفذ نظام الأسد هجومًا بغاز السارين السام، استهدف عدة بلدات في الغوطة الشرقية، وبلدة المعضمية بالغوطة الغربية، وقصفها بأكثر من عشرة صواريخ.
وأدت الهجمات الكيماوية إلى مقتل 1119 مدنيًا و25 مقاتلًا في صفوف المعارضة حينها، وإصابة 5935 آخرين، بحسب ما وثقته “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”.
وفي 4 من نيسان 2017، قصف النظام السابق مدينة خان شيخون بغاز السارين، ما أدى إلى مقتل 91 مدنيًا بينهم 32 طفلًا و23 امرأة، وإصابة 520 آخرين، وفق توثيقات ذات المؤسسة الحقوقية. وبعد نحو ستة أشهر على الحادثة، أكد تقرير أعدته “آلية التحقيق المشتركة” مسؤولية النظام السوري عن إطلاق غاز السارين على خان شيخون.
وكانت سوريا قد انضمت إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية في 2013، وفق نظام تحقق صارم، وقدمت إعلانًا أوليًا عن برنامجها الكيماوي، لكنها لم تكشف عن البرنامج الكامل للأسلحة، في محاولة فاشلة لتضليل المجتمع الدولي بشأن نطاقه وحجمه، بحسب تقرير المنظمة.
وأكدت الأمانة الفنية للمنظمة بشكل مستقل استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا، سواء من قبل القوات السورية السابقة أو الجهات الفاعلة غير الحكومية، بما في ذلك تنظيم “الدولة الإسلامية”.
ومع سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، أتيحت فرصة للكشف الكامل عن برنامج الأسلحة الكيماوية السوري، وضمان القضاء عليه وفق الاتفاقية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة