تحول لافت في سوريا: احتجاجات سلمية تعيد تشكيل ثقافة التعبير وعلاقة المجتمع بالسلطة


هذا الخبر بعنوان "احتجاجات سلمية.. هل تغيرت ثقافة التعبير في المجتمع السوري؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظاهرة غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، تشهد سوريا سلسلة من الاعتصامات والاحتجاجات السلمية التي نفذتها فئات مهنية متنوعة، مما يعكس تحولاً ملحوظاً في أساليب التعبير والتواصل المجتمعي. كان أبرز هذه التحركات إضراب سائقي سيارات الأجرة في دمشق يوم الإثنين الموافق 6 نيسان الحالي، حيث توقفوا عن العمل بالقرب من ساحة الأمويين، احتجاجاً على المنافسة غير العادلة من تطبيقات النقل الإلكترونية والسيارات الخاصة غير المرخصة.
سبق هذا الإضراب وقفة احتجاجية لسائقي الشاحنات الكبيرة على طريق حلب اللاذقية في 5 نيسان الحالي، بالإضافة إلى تجمع لأصحاب البسطات أمام مبنى محافظة دمشق، رفعوا خلاله شعار "بدنا نأكل.. بدنا نعيش". كما شهدت دمشق وريفها اعتصاماً لسائقي السرافيس نهاية عام 2025. هذه التحركات السلمية، التي جمعت بين الاعتصامات والوقفات، تشير إلى لغة تعبير جديدة لم تكن معهودة سابقاً، وتختلف جذرياً عما كان سائداً في زمن النظام المخلوع حيث كان القمع هو الرد الوحيد.
على خلاف الماضي، لم تقف الجهات المعنية اليوم موقف المتفرج، بل شهدت هذه التحركات نزول مسؤولين إلى وسط المعتصمين، وفق ما تم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، للاستماع المباشر إلى مطالبهم والوعد بإيجاد حلول جذرية. هذا التفاعل يمثل تحولاً لافتاً في أسلوب التعامل مع المطالب الشعبية اليومية، ويؤشر إلى بيئة جديدة تختلف عن السابق.
يروي عبد الرزاق حجازي، أحد المشاركين في احتجاج سائقي التكاسي، لـ "الثورة السورية" معاناته وزملائه قائلاً: "كان مردود مهنتنا جيداً قبل أن تقتحم التطبيقات الحديثة مجال عملنا. لم يقتصر الأمر عليها، بل أصبح صاحب أي سيارة خاصة يضع فانوس تكسي عليها، إلى جانب الدراجات النارية التي تعمل بتوصيل الركاب بشكل غير مرخص. المردود بات قليلاً جداً، وبالمقابل هناك ضرائب وتأمين إلزامي وبنزين وصيانة، ولم يعد عملنا قادراً على الصرف علينا وعلى بيوتنا". من جانبه، أكد صهيب السيد، سائق تكسي آخر في دمشق، لـ "الثورة السورية" أن الاحتجاج كان ضرورياً لتوجيه أنظار الجهات المعنية إلى واقعهم الصعب، مشيراً إلى أن الاتفاق بين السائقين تم عبر وسائل التواصل الاجتماعي والعلاقات المباشرة، وتم وضع ملصقات على السيارات تعبر عن معاناتهم أملاً في الاستجابة لإنصافهم.
أما أصحاب البسطات، فقد رفعوا شعار "بدنا نأكل.. بدنا نعيش" خلال وقفتهم الاحتجاجية أمام مبنى محافظة دمشق في 5 نيسان الجاري، احتجاجاً على قرار إزالتهم من الشوارع والأسواق الرئيسية. ويوضح محمد سيوفي، صاحب بسطة جوارب وقطنيات في سوق الحميدية، لـ "الثورة السورية" أن هذا العمل هو مصدر رزقهم الوحيد، وأن منعهم من العمل ظلم لهم خاصة في ظل الظروف المادية الصعبة، مطالباً بإيجاد بدائل مناسبة لهم بدلاً من المنع المباشر.
من منظور اجتماعي، ترى الباحثة في علم الاجتماع الدكتورة سلوى شعبان، في حديثها لـ "الثورة السورية"، أن تسارع الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في سوريا قد أدى إلى تغير ثقافة التعبير، واتخاذها منحنى جديداً بظهور الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات المعبرة عن المطالب الحياتية والمعيشية. وتصف ذلك بأنه "دليل إيجابي في المجتمع ويعبر عن حالة صحية بناءة في التعبير والمطالبة بتحسن وتغيير واقع الحياة". وتضيف شعبان أن هذا التحول يعود إلى النضوج الفكري والسياسي لدى المواطن السوري، الذي اكتسب القوة والاندفاع من تجربة مريرة سابقة، وهو رد فعل طبيعي على توالي الأزمات والضغوطات المستمرة، مما يمثل تحولاً سياسياً مجتمعياً صحياً.
وتعتبر الدكتورة شعبان أن هذه الاحتجاجات تعكس تحولاً في الوعي المجتمعي لدى السوريين، ونقطة انطلاق قوة حقيقية نابعة من تجربة تاريخية معقدة ومؤلمة، وتحولات عميقة في بنية المجتمع، وإعادة توثيق علاقة الشعب بالدولة والحكومة، حيث فُتح المجال أمام الجميع للتعبير بالصوت والكلمة عن مطالبهم والإشارة إلى مكامن الخلل. هذه الظاهرة، التي تعكس تحولاً في لغة التعبير، هي مؤشر على تغير علاقة المجتمع بالسلطة، مما فسح المجال لتنامي المبادرات الحكومية والمجتمعية، والاستجابة السريعة لإدارة الشأن المحلي خارج الأطر التقليدية، مشيرة إلى قدرة المجتمع على تطوير آلياته الذاتية للتكيف والتنظيم والمشاركة مع السلطة.
من منظور نفسي، تشرح الباحثة النفسية ليلى زيدان، لـ "الثورة السورية"، أن ثقافة الاحتجاج هي آلية دفاع جماعية، حيث يتحول الصمت إلى تعبير عن مشاعر الإحباط الجماعي، والإيمان بالقدرة على التغيير من خلال فعل علني يسعى لإعادة التوازن النفسي وتعزيز الهوية الذاتية. وتضيف أن هذه الظاهرة تشكل للمشاركين مساحة لتفريغ الطاقة السلبية ومشاعر الغضب والتوتر، وتسهم في تنمية الشعور بالانتماء للمجموعة والتضامن الاجتماعي من خلال الشعارات والهتافات المتفق عليها، وتقلل من مشاعر الإحباط لتعزيز ثقتهم بأنفسهم.
وتلفت زيدان إلى أن ثقافة الاحتجاج المتنامية في المجتمع السوري تعبر عن كسر حواجز الخوف القديمة وفتح المجال أمام حرية التعبير، وتتسم بالاستمرارية والصبر. كما تعتمد على التعبئة العاطفية لتحويل المطالب الفردية إلى جماعية، لاكتساب التعاطف الاجتماعي. ويستخدم المشاركون في هذه التحركات السلمية وسائل التواصل الاجتماعي لجمع المشاركين ونشر الوعي بالحقوق والمطالب، والاتفاق على الشعارات التي تعبر عن أهدافهم السلمية، مع شعور عالٍ بالفعالية والإيمان بالقدرة على إحداث التغيير.
قانونياً، يؤكد المحامي عز الدين العقاد، في حديثه لـ "الثورة السورية"، أن هذه الظاهرة تندرج ضمن الحقوق الأساسية التي كفلتها القوانين والمواثيق الدولية، وأهمها حرية التعبير والتجمع السلمي. ويرى أن استمرار هذه الاحتجاجات بشكل سلمي ومنظم يمثل دليلاً على تغير تدريجي في ثقافة التعبير داخل المجتمع السوري نحو طرق أكثر وضوحاً ومباشرة في المطالبة بالحقوق. ويضيف أن أهم ما يميز هذه الوقفات الاحتجاجية هو خروجها من الإطار الفردي إلى الجماعي الفاعل والمنظم، ما يعكس تطوراً لافتاً في النضج والوعي لدى الفئات المتضررة بقدرتها على الضغط بطرق سلمية متحضرة لتحقيق مطالبها.
وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت في عام 2026 عن إجراءات تنظيمية جديدة لضبط التحركات الشعبية، أبرزها تقديم طلب قبل خمسة أيام من التظاهر يوضح أهدافه ومكانه وزمانه وشعاراته، مع تعهد بعدم الإضرار بالممتلكات العامة والخاصة، لتنظيم أي اعتصام تحت سقف القانون.
في الختام، يُعد تغير لغة تعبير السوريين انعكاساً لتحولات اجتماعية وسياسية عميقة عاشها المجتمع، حيث تحول الخوف إلى لغة أكثر حرية وجرأة، في ترجمة للوعي بتأثير التضامن الجماعي في إحداث التغيير، وفتح قنوات جديدة للتواصل بين الشعب والسلطة. منال السماك.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي