كنوز سوريا الأثرية: جهود حثيثة لصون الذاكرة الحضارية وإخراج المواقع من قائمة الخطر


هذا الخبر بعنوان "تراث سوريا العالمي… ذاكرة حضارية تتجدد وخطوات متواصلة للخروج من لائحة الخطر" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتمتع سوريا برصيد حضاري استثنائي يتجلى في مواقعها الأثرية والتاريخية المدرجة على قائمة التراث العالمي، والتي تعكس عمقها التاريخي ومكانتها كمركز بارز للحضارة الإنسانية التي شهدت تعاقب وتفاعل الثقافات على مدى آلاف السنين. تنتشر هذه المواقع عبر الجغرافيا السورية، لتشكل شواهد حية تختصر مسيرة الإنسان السوري وإسهاماته في العمران والثقافة. وتكتسب هذه المواقع أهمية خاصة بما تحمله من قيم معمارية وتاريخية وروحية، جعلتها جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الإنسانية المشتركة، وحظيت باعتراف منظمة اليونسكو ضمن المساعي الدولية لحماية التراث وصونه للأجيال القادمة.
تشير الدكتورة لينا قطيفان، مديرة مديرية مواقع التراث العالمي في المديرية العامة للآثار والمتاحف، لمراسلة سانا، إلى أن مدينة دمشق القديمة تُعد من أقدم المدن المأهولة باستمرار في العالم، وقد أُدرجت على قائمة التراث العالمي عام 1979. تعود جذور تأسيسها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، بينما تشير حفريات تل الرماد إلى أن المنطقة كانت مأهولة منذ ما بين 8 و10 آلاف سنة قبل الميلاد. ومنذ نشأتها، حافظت دمشق على مكانتها كمركز سياسي وثقافي واقتصادي مهم، مستفيدةً من موقعها عند ملتقى طرق القوافل بين الشرق والغرب وبين أفريقيا وآسيا.
وتوضح قطيفان أن خصوصية دمشق القديمة تكمن في نسيجها العمراني الكثيف، وما تضمه من أسوار وبوابات وأوابد أثرية تمثل مراحل متعددة من الحضارات الآرامية والهلنستية والرومانية والبيزنطية والإسلامية. كما أن كونها عاصمة للدولة الأموية منحها بعداً حضارياً فريداً، حيث شهدت في تلك المرحلة توسعاً عمرانياً كبيراً، ورسخت سمة المدينة الإسلامية العربية. وتلفت قطيفان إلى أن دمشق القديمة، داخل أسوارها وخارجها، لا تزال محافظةً على تماسكها التاريخي، بما يشمل المسجد الأموي والمدارس والخانات والقلعة والمنازل التقليدية.
وفي سياق متصل، تشير قطيفان إلى أن مدينة حلب القديمة، المسجلة على قائمة التراث العالمي عام 1986، تُعد نموذجاً فريداً لمدينة تاريخية نشأت على مفترق طرق التجارة منذ الألف الثاني قبل الميلاد، وتعاقبت عليها حضارات متعددة، من الحثيين والآشوريين والأكاديين إلى اليونان والرومان والأمويين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين. ويبرز في قلب حلب، وفقاً لقطيفان، الطابع العسكري والدفاعي ممثلاً بقلعتها الشهيرة، التي تعلو المدينة القديمة، وتشهد على تطور العمارة العسكرية العربية، إلى جانب الجامع الكبير والمدارس والحمامات والخانات والأسواق التي تعكس حيوية المدينة ودورها الاقتصادي والثقافي. وتلفت إلى أن حلب تكتسب أهميتها أيضاً من كونها تمثل مثالاً بارزاً لمدن العصر الأيوبي في القرن الثاني عشر، سواء من خلال تحصيناتها أم عمرانها الديني والمدني، فيما تشكّل أسواقها وخاناتها ومدارسها وأحياؤها القديمة شهادة على التفاعل بين البعد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في المدينة.
توضح قطيفان أن موقع تدمر الأثري، المسجل على قائمة التراث العالمي عام 1980، يبرز بوصفه واحداً من أبرز الشواهد على الامتزاج الحضاري بين الشرق والغرب. فقد ازدهرت تدمر خلال القرنين الأول والثاني الميلاديين كمركز للقوافل التجارية بين بلاد فارس والهند والصين والإمبراطورية الرومانية، ما أتاح لها بناء شخصية حضارية خاصة تجلت في فنونها وعمارتها. وتبيّن قطيفان أن الشارع المستقيم، الممتد بطول نحو 1100 متر، يُعد من أبرز معالم المدينة، إلى جانب معبد بل، والأغورا، والمسرح، ومخيم دقلديانوس. كما تتميز تدمر بطراز معماري خاص يجمع بين التأثيرات اليونانية والرومانية والتقاليد المحلية، وهو ما يظهر بوضوح في منشآتها ومنحوتاتها الجنائزية وزخارفها المعمارية.
أما موقع بصرى الأثري، الذي سُجل عام 1980 أيضاً، فتؤكد قطيفان أنه يحمل قيمة تاريخية ودينية ومعمارية مهمة. فقد ورد اسمه في رسائل تل العمارنة في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وكانت العاصمة الشمالية للمملكة النبطية، ثم أصبحت عاصمة للإقليم الروماني العربي عام 106 م، قبل أن تتحول إلى مركز ديني وتجاري مهم في العصر البيزنطي، وأول مدينة بيزنطية تخضع للفتح الإسلامي عام 634 م. وتضيف قطيفان أن بصرى تحتضن اليوم بقايا نبطية ورومانية وبيزنطية وإسلامية، من أبرزها المدرج الروماني الشهير المحفوظ بشكل شبه متكامل، وهو من أهم المسارح الرومانية في العالم، إضافة إلى المسجد العمري، ومدرسة مبرك الناقة، وكاتدرائية بصرى، ما جعلها متحفاً مفتوحاً نابضاً بالحياة.
توضح قطيفان أن قلعتي الحصن بحمص وقلعة صلاح الدين في اللاذقية، المسجلتين على قائمة التراث العالمي عام 2006، تحضران بوصفهما نموذجين استثنائيين للعمارة العسكرية في الشرق. وتقع القلعتان في موقعين مرتفعين يتمتعان بحصانة طبيعية كبيرة، وشكلتا نقطة تحول في تطور الأنظمة الدفاعية الأوروبية والإسلامية بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلاديين. وتبيّن أن القلعتين تعكسان تفاعلاً واضحاً بين العمارة البيزنطية والصليبية والإسلامية، بما يجعلهما شاهدتين على تبادل التأثيرات بين الشرق والغرب، حيث تُعد قلعة الحصن أفضل مثال قائم لقلاع الفترة الصليبية، بينما تمثل قلعة صلاح الدين مثالاً غير اعتيادي من حيث تقنيات البناء والمناعة وتعدد المراحل التاريخية التي مرت بها. كما تعززت رمزيتهما الوطنية بعد اعتماد اسم قلعة صلاح الدين رسمياً عام 1957.
وفي شمال سوريا، تبرز القرى الأثرية، المسجلة عام 2011، حيث تؤكد قطيفان أنها تمثل مشهداً حضارياً فريداً يضم ثمانية تجمعات تحوي نحو 40 قرية في ريفي حلب وإدلب، والتي تحتفظ بآثار استيطان بشري يعود إلى الفترة الممتدة بين القرنين الأول والسابع الميلاديين. كما تقدم هذه القرى صورة نادرة عن أسلوب حياة المجتمعات الريفية في نهاية العصر الكلاسيكي. وتشير إلى أن هذه القرى تكتسب أهميتها من حالة الحفظ الاستثنائية التي لا تزال تحتفظ بها أطلالها، بما في ذلك المساكن والمعابد والكنائس والأديرة والقبور، فضلاً عن دلالتها على حضارة زراعية ازدهرت في العالم المسيحي الشرقي، وقدمت مثالاً مهماً على أنماط استثمار الأرض والتنظيم الاجتماعي والعمراني في تلك المرحلة.
توضح قطيفان أن المديرية العامة للآثار والمتاحف، بالتعاون مع اليونسكو، تعمل على خطة لإخراج المواقع السورية المدرجة على قائمة التراث العالمي من لائحة الخطر منذ عام 2013، عبر تنفيذ إجراءات ترميم وصون وفق معايير محددة. وقد أُعدت ملفات لعدد من المواقع مثل دمشق القديمة وتدمر وبصرى، وهي قيد المراجعة، بالتوازي مع استمرار أعمال التوثيق في مواقع أخرى. وفي الوقت نفسه، يجري العمل على إدراج مواقع جديدة، منها معلولا وطريق الحج المسيحي، بالتعاون مع “إيكوموس”. وتؤكد قطيفان أن هذه الجهود تهدف إلى تعزيز حضور التراث السوري عالمياً وصون هويته الثقافية.
سياسة
اقتصاد
سياسة
اقتصاد