تبادل المعتقلين بين قسد والحكومة السورية يثير غضب الأهالي في شرق سوريا ومخاوف من ترحيلهم للعراق


هذا الخبر بعنوان "صفقات تبادل المعتقلين تثير الغضب شرقي سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد محافظة دير الزور حالة من الاستياء والاحتجاج الشعبي المتزايد بين أوساط أهالي المعتقلين، وذلك على خلفية عملية تبادل حديثة جرت بين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والحكومة السورية. بموجب هذه الصفقة، التي تمت في 10 نيسان، تم الإفراج عن أكثر من 90 مدنيًا سوريًا كانوا محتجزين لدى “قسد”، مقابل إطلاق سراح نحو 400 مقاتل من عناصر “قسد” كانوا محتجزين لدى الحكومة.
تأتي هذه الاحتجاجات في دير الزور عقب حراك احتجاجي مماثل شهدته محافظة الحسكة في نيسان الحالي، ما يعكس انقسامًا جغرافيًا وسياسيًا في ملف المعتقلين. فقد خرجت تظاهرات في مدن خاضعة لسيطرة “قسد”، بينما نُظمت وقفات احتجاجية في مناطق سيطرة الحكومة السورية، في مشهد يبرز تعقيد الملف الإنساني وتشابك أطرافه.
يرى أهالي المعتقلين من أبناء الجزيرة السورية أن هذه الصفقة تفتقر إلى العدالة والتوازن. ويعتبرون أن أبناءهم الذين ما زالوا محتجزين لدى “قسد” أو الذين تم ترحيلهم إلى العراق، أولى بالإفراج. ويؤكد ذووهم، بحسب شهاداتهم لعنب بلدي، أن أبناءهم لم يكونوا منتمين لتنظيم “الدولة الإسلامية”، بل جرى تصنيفهم ضمن هذه التهمة لأغراض سياسية.
وفقًا لبيانات جمعتها لجنة محلية كلفتها محافظة دير الزور، يناهز عدد المعتقلين لدى “قسد” 4000 شخص، بينهم أربع نساء، وينحدر معظمهم من محافظات المنطقة الشرقية. وتشير الأرقام إلى أن نحو 2500 معتقل من دير الزور وحدها.
أكد حسين الرارات، أحد أعضاء اللجنة من دير الزور، أن جزءًا كبيرًا من المعتقلين الذين تم ترحيلهم إلى العراق، وتحديدًا إلى سجن الكرخ قرب مطار بغداد، كانوا أطفالًا أو قاصرين عند اعتقالهم، إذ لم تتجاوز أعمار بعضهم 11 أو 12 عامًا في سنوات سيطرة “داعش” الأخيرة على المنطقة. وأضاف أن هؤلاء المحتجزين يعانون من ظروف إنسانية صعبة، تشمل سوء المعاملة، نقص المياه، وانتشار أمراض مزمنة ومعدية مثل السل والجرب، ما يزيد من مخاوف ذويهم بشأن مصيرهم.
وكانت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” قد وثقت في كانون الثاني الماضي مقتل 204 مدنيين، بينهم 24 طفلًا و19 سيدة، بالإضافة إلى ما لا يقل عن 819 حالة اعتقال تعسفي، و15 حالة تعذيب وسوء معاملة، وذلك في مراكز الاحتجاز التي كانت تسيطر عليها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مشيرة إلى أن عمليات التحقق والتحديث لا تزال جارية.
قال جاسم العبد الله، من ذوي أحد معتقلي دير الزور، إن “قسد” تستخدم تهمة الانتماء إلى “داعش” كوسيلة للضغط السياسي وتعزيز نفوذها في المنطقة الشرقية. وأوضح أن العديد من المعتقلين كانوا ضمن “جيش العشائر” أو فصائل من “الجيش الحر”، أو حتى مدنيين حاولوا عبور مناطق سيطرة “قسد”. وأشار إلى أن بعضهم كان يعمل ضمن تشكيلات مدعومة من “الجيش الوطني السوري” أو على صلة بجهات أمنية تركية، ما أدى إلى اعتقالهم وإلصاق تهم الإرهاب بهم. وجميع المعتقلين تقريبًا من “العرب السنة”، حسب قول العبد الله، وهو ما يثير تساؤلات إضافية حول طبيعة الاعتقالات ودوافعها.
يطالب حسين الرارات الحكومة السورية بالتدخل العاجل لإعادة المعتقلين المرحلين إلى العراق، ووضعهم تحت سلطة القضاء السوري. مؤكدًا أن الأهالي لا يعارضون محاسبة أي شخص يثبت تورطه بجرائم، لكنهم يرفضون استمرار احتجاز أبنائهم خارج البلاد وفي ظروف غير إنسانية. وقال الرارات: “نحن لا نطلب الإفراج الفوري، بل محاكمتهم داخل سوريا، وبين أهلهم، وبشكل عادل”.
وكانت الحكومة السورية قد وافقت على ترحيل عدد من هؤلاء المعتقلين إلى العراق، ضمن تفاهمات مع “التحالف الدولي”، وهو ما يدفع الأهالي، وفقًا لـ”رارات”، اليوم لمطالبتها بتحمل مسؤولياتها وإعادتهم.
وقالت شيماء المحمد، زوجة أحد المعتقلين، إن زوجها اعتُقل قبل ثلاث سنوات لدى “قسد”، وكانت تأمل الإفراج عنه قريبًا، قبل أن تتفاجأ بنقله إلى العراق. وأضافت: “لدي أطفال ولا معيل لنا سوى الله، وكنا نأمل أن تنصفنا الحكومة الجديدة، لكننا صدمنا بالواقع، لا نعرف مصيرنا ولا إلى أين نتجه”. وتعيش العديد من العائلات حالة القلق والضياع وسط غياب معلومات واضحة حول أوضاع أبنائها. في المقابل، تتصاعد لهجة التحذير لدى بعض الفعاليات المحلية، إذ تشير ناشطات من المنطقة الشرقية إلى أن استمرار هذا الملف دون حل قد يدفع نحو تصعيد شعبي. تقول شيماء: “إذا لم تحل هذه القضية، سنكون نحن من يقود التحرك، لا نريد الفوضى، لكننا نرفض الظلم”.
من جهته، أكد عضو في وفد رئاسي سوري (تحفظ على ذكر اسمه لأسباب إدارية كونه غير مخول بالتصريح) أن الحكومة السورية تتابع ملف المعتقلين المرحلين إلى العراق، وأنها على تواصل مع الحكومة العراقية لإعادتهم، دون تقديم جدول زمني واضح أو تفاصيل إضافية.
يبقى ملف المعتقلين في شمال شرقي سوريا من أكثر القضايا تعقيدًا، في ظل تداخل العوامل السياسية والأمنية والإنسانية، واستمرار غياب حلول جذرية. وبين مطالب الأهالي وضغوط الواقع، تبدو القضية مرشحة لمزيد من التصعيد، ما لم تُتخذ خطوات ملموسة تعيد الثقة وتخفف من معاناة عشرات العائلات السورية.
وكانت محافظة الحسكة قد شهدت في 19 آذار الماضي، عملية تبادل للمحتجزين بين “قسد” والحكومة السورية، عشية عيد الفطر، شملت الإفراج عن 300 أسير من مقاتلي “قسد” المحتجزين لدى الحكومة السورية، مقابل الإفراج عن دفعة مماثلة من المعتقلين في سجون “قسد”.
في مدن الحسكة والقامشلي والدرباسية وعامودا والمالكية، خرج أهالي وذوو مقاتلي “قسد” المحتجزين لدى الحكومة السورية، في تظاهرات ووقفات احتجاجية أيضًا، طالبوا خلالها بالكشف عن مصير أبنائهم والإفراج عنهم. وردد المشاركون شعارات ركزت على “حق معرفة المصير” و”الإفراج الفوري”، معتبرين أن استمرار احتجاز أبنائهم يفاقم معاناتهم الإنسانية، ويزيد من حالة القلق التي تعيشها العائلات منذ سنوات. تأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه المنطقة خطوات متبادلة بين الحكومة السورية و”قسد”، ضمن اتفاق كانون الثاني الماضي، الذي نص على معالجة ملف المعتقلين تدريجيًا، بالتوازي مع مسار دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة.
شهدت العاصمة دمشق في المقابل، في نيسان الحالي، وقفة احتجاجية أمام وزارة الخارجية والمغتربين، نظمها أهالي معتقلين لدى “قسد”، إضافة إلى ذوي أشخاص تم ترحيلهم إلى العراق بتهمة الانتماء إلى تنظيم “الدولة الإسلامية”. وطالب المحتجون الحكومة السورية بالضغط على “قسد” للكشف عن مصير أبنائهم، متهمين الأخيرة بتوجيه “تهم كيدية” واعتقال أشخاص دون أدلة كافية، ومن ثم ترحيل بعضهم إلى العراق. كما شدد الأهالي على ضرورة متابعة ملف المرحّلين، والعمل على إعادتهم إلى سوريا، مؤكدين أن استمرار غياب المعلومات حول مصيرهم يضاعف من معاناة العائلات.
في ريف الحسكة، وتحديدًا ناحية الهول، نظم الأهالي اعتصامات متكررة أمام مبنى الناحية، للمطالبة بالكشف عن مصير أبنائهم المعتقلين لدى “قسد”، أو أولئك الذين جرى نقلهم إلى العراق. وقال “أحمد” (اسم مستعار)، وهو أحد ذوي المعتقلين من الهول، لعنب بلدي، إن العائلات “تعيش حالة من الضياع الكامل”، مضيفًا: “لا نعرف أين أبناؤنا، هل هم في سجون داخل سوريا أم في العراق، ولا توجد أي جهة تعطينا جوابًا واضحًا. نطالب فقط بمعرفة الحقيقة”. وأشار إلى أن بعض المعتقلين “أُخذوا بتهم جاهزة”، على حد تعبيره، مؤكدًا أن الأهالي سيواصلون احتجاجاتهم حتى الحصول على إجابات. وفي بلدة تل براك، خرجت وقفة احتجاجية مماثلة، ركزت على ملف المرحّلين إلى العراق، حيث عبّرت “جازية” (اسم مستعار)، وهي والدة أحد المعتقلين، عن مخاوفها من ضياع ملف ابنها بين الجهات المختلفة. وقالت: “ابني اعتُقل منذ سنوات، ثم علمنا أنه نُقل إلى العراق، ومنذ ذلك الوقت لا نعرف عنه شيئًا. نريد محاكمته هنا في سوريا إن كان مذنبًا، لكن ليس بهذه الطريقة”.
بالتوازي مع الاحتجاجات، عقد محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، لقاءً مع عدد من عائلات المحتجزين من مقاتلي “قسد”، واستمع إلى مطالبهم، مؤكدًا أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى الجهات المعنية. وأشار إلى أن العمل يجري ضمن آلية اتفاقية الدمج الموقعة في كانون الثاني، والتي تشكل إطارًا لمعالجة القضايا العالقة، بما فيها ملف المعتقلين. كما التقى مسؤولون محليون، بينهم مدير المنطقة الجنوبية للحسكة، عدنان درويش، ومدير أمن الهول، عبد اللطيف الحمد، ذوي المعتقلين في سجون “قسد”، وكذلك المرحلين إلى العراق، ووعدوا بمتابعة الملف وإعداد قوائم بالأسماء لرفعها إلى الجهات المختصة. وقال درويش، إن ملف المعتقلين “على رأس الأولويات”، مؤكدًا أن الحكومة تعمل على استلام السجون من “قسد”، والكشف عن مصير المحتجزين، سواء داخل سوريا أو ممن تم ترحيلهم إلى العراق.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة