المأزق الأمريكي في صراع التوازنات: حين تتحول الحرب إلى بنية مستقلة وتعيق الحسم


هذا الخبر بعنوان "لعبة التوازنات القاتلة: لماذا لا تستطيع أمريكا حسم الصراع؟" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
رأي - نبيل صالح
لم تعد الحرب، في مفهومها المعاصر، مجرد امتداد للسياسة بوسائل أخرى كما وصفها كارل فون كلاوزفيتز، بل تحولت في سياقاتها المعقدة إلى انقلاب على السياسة ذاتها. إنها اللحظة التي تفلت فيها الأداة من يد صانعها، لتغدو بنية مستقلة تمتلك عقلها ومنطقها الخاص. في هذا التحول، لا تخضع الحرب للإرادة السياسية فحسب، بل تصبح إطارًا يعيد تشكيل تلك الإرادة ويحدد الممكن والمستحيل ضمنها.
ما نشهده في التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإيران يمثل تجليًا واضحًا لهذا الانقلاب؛ انتقال من "السياسة التي تستخدم الحرب" إلى "الحرب التي تستخدم السياسة". هنا، لا يكون القرار بيد الفاعلين بقدر ما يصبحون هم أنفسهم خاضعين لمنطق يتجاوزهم. يمكن فهم هذه الحالة ضمن ما يسميه ميشيل فوكو بـ"استمرار الحرب في قلب السياسة"، حيث لا ينتهي الصراع بوقف القتال، بل يستمر كبنية عميقة تنظم العلاقات وموازين القوى.
في بداياتها، تبدو الحروب دائمًا قابلة للاحتواء، إذ يتحرك الفاعلون ضمن أفق عقلاني يحسب الكلفة ويقدر العائد. لكن مع مرور الزمن، تتغير طبيعة اللعبة؛ تتحول الحرب من صراع على المصالح إلى صراع على الاعتراف، ومن تنافس على الموارد إلى تنافس على المكانة. هنا، نستحضر منطق هيغل في "جدلية السيد والعبد"، حيث يصبح الاعتراف المتبادل شرطًا للوجود السياسي. في هذا المستوى، لم يعد التراجع خيارًا، لأن التراجع لا يعني خسارة معركة، بل فقدان الاعتراف، أي السقوط من موقع الفاعل إلى موقع التابع.
بهذا المعنى، تجد الولايات المتحدة نفسها في مأزق فلسفي قبل أن يكون استراتيجيًا. فهي، بوصفها قوة مهيمنة، لا تستطيع التراجع دون أن تهدد صورة الهيمنة التي تقوم عليها شرعيتها الدولية. وفي الوقت نفسه، لا تستطيع تحقيق نصر حاسم، لأن خصمها، إيران، لا يلعب وفق قواعد الحرب الكلاسيكية. إنها مواجهة بين منطقين: منطق الحسم السريع، ومنطق الاستنزاف الطويل.
إيران، من جانبها، تتحرك ضمن أفق زمني مختلف، أقرب إلى ما يمكن تسميته "السياسة الصبورة"، حيث لا يُقاس النجاح بالإنجاز الفوري، بل بقدرة النظام على الاستمرار. هنا يمكن استحضار روح نيقولا مكيافيلي، ولكن في نسختها المعكوسة: ليس الأمير هو من يفرض الوقائع، بل من ينجح في البقاء داخلها حتى تتآكل إرادة خصومه. إنها استراتيجية تحويل الزمن إلى أداة قوة.
أما التفاوض، الذي يبدو في الظاهر مخرجًا عقلانيًا، فهو في العمق ساحة صراع رمزي. فالشروط المطروحة ليست تقنية، بل وجودية؛ إنها تعكس تصورات متناقضة للنظام الإقليمي ولتوزيع الشرعية فيه. وهنا يمكن قراءة المأزق من خلال مفهوم "اللعبة الصفرية" في الفكر السياسي: أي أن مكسب أحد الطرفين يُقرأ تلقائيًا كخسارة للآخر. في مثل هذه الحالة، يصبح التفاوض نفسه امتدادًا للحرب، لا بديلاً عنها.
يتعمق هذا الانسداد مع دخول العامل العالمي. لم يعد الصراع محصورًا بين دولتين، بل أصبح عقدة ضمن شبكة من القوى والمصالح. وهذا ما يجعلنا أقرب إلى تصور إيمانويل كانط عن "السلام الدائم"، ولكن بصيغته المعكوسة: فبدل أن يقود الترابط العالمي إلى السلام، نراه هنا يخلق حالة من "الحرب المعلّقة"، حيث لا يمكن الحسم لأن الكلفة تتجاوز الأطراف المباشرة، ولا يمكن الإيقاف لأن التوازنات لم تنضج بعد.
في هذا السياق، يتبدى المأزق الأمريكي بوصفه أزمة في مفهوم القوة ذاته. فالقوة، في صيغتها الكلاسيكية، كانت تعني القدرة على الإخضاع. أما اليوم، فهي تُختبر بقدرتها على إدارة التعقيد. لم يعد السؤال: "كيف ننتصر؟؟"، بل: "كيف نمنع الانهيار؟". وهذا انتقال من منطق السيادة إلى منطق الحوكمة العالمية.
المخرج إذن، لا يكمن في تصعيد إضافي، ولا في انسحاب أحادي، بل في إعادة تعريف قواعد اللعبة. أي الانتقال من نظام أحادي القطب إلى بنية تعددية تعترف بتوازنات جديدة. هذا التحول يتطلب شجاعة فلسفية قبل أن يكون قرارًا سياسيًا: شجاعة الاعتراف بأن الهيمنة ليست قدرًا دائمًا، وأن الاستقرار لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالتوافق. إن اللحظة الراهنة تكشف حدود العقل الاستراتيجي حين ينفصل عن العقل الأخلاقي. فالحرب، حين تفقد غايتها السياسية، تتحول إلى عبء وجودي على النظام الدولي بأسره.
ومن هنا، فإن الحكمة لا تكمن في إدارة الصراع، بل في إعادة تعريفه: من صراع على السيطرة إلى بحث عن توازن قابل للحياة. في النهاية، ليست الولايات المتحدة عاجزة عن التقدم أو التراجع فحسب، بل هي أسيرة منطق صنعته بنفسها. والخروج من هذا الأسر لا يتطلب قوة أكبر، بل وعيًا أعمق: وعيًا بأن العالم لم يعد يُدار بمنطق الغلبة، بل بمنطق التوازنات الهشة التي تحتاج إلى صيانة مستمرة. ذلك هو جوهر المأزق وتلك هي لحظة الفلسفة حين تتقاطع مع السياسة.
· تنشر بالتزامن مع مجلة بوليتيكا الشهرية
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة