من حقبة أبولو إلى عصر أرتيميس: الفضاء يتحول إلى ساحة صراع جيوسياسي بين القوى الكبرى


هذا الخبر بعنوان "من أبولو 2 إلى أرتيميس 2… الفضاء يعود ساحةً للتنافس الدولي" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد مرور أكثر من نصف قرن على اختتام مهمات برنامج "أبولو" التاريخي، تعود البشرية مجدداً إلى استكشاف القمر عبر برنامج "أرتيميس" الطموح التابع لوكالة ناسا الأمريكية. لكن هذه العودة لا تقتصر على الأبعاد العلمية فحسب، بل تعكس تحولاً جوهرياً في بنية النظام الدولي، حيث انتقل الفضاء من كونه مجالاً للتعاون والاستكشاف إلى ساحة تنافس جيوسياسي حاد بين القوى العظمى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين، مع دعم روسي للمحور الثاني.
لقد شكّل النجاح الباهر لمهمة "أرتيميس 2" في نيسان 2026، والتي أعادت رواد الفضاء بسلام بعد رحلة مدارية حول القمر، نقطة تحول مفصلية في مسار سباق الفضاء الجديد. لم تكن هذه المهمة مجرد إنجاز تقني بحت، بل كانت إعلاناً عن بداية مرحلة مختلفة تماماً عن سباق الحرب الباردة، مرحلة أكثر تعقيداً وتشابكاً في أدواتها وأهدافها، لكنها لا تقل تأثيراً على موازين القوى العالمية.
مثّلت مهمة "أرتيميس 2" خطوة محورية في رحلة العودة البشرية إلى القمر. استمرت الرحلة قرابة عشرة أيام، دار خلالها الطاقم حول القمر ووصلوا إلى أبعد مسافة عن الأرض يبلغها البشر منذ سبعينيات القرن الماضي. تضمنت الرحلة اختبارات مكثفة لأنظمة الملاحة ودعم الحياة والدرع الحراري، خاصة في مرحلة العودة، التي شهدت انقطاعاً للاتصال لمدة ست دقائق بسبب تأثير البلازما الناتجة عن الاحتكاك بالغلاف الجوي.
وصفت وكالة ناسا المهمة بأنها ثمرة جهود آلاف المهندسين ودقة متناهية في التخطيط والتنفيذ. من جانبها، أكدت المسؤولة في الوكالة، لوري غليز، أن المهمة جسدت روح التعاون الدولي والإنجاز العلمي المشترك. كما اعتبر مدير الرحلة، ريك هينفلينغ، أن العودة الآمنة إلى الأرض شكلت لحظة إنسانية بالغة التأثير بعد فترة طويلة من التوتر.
ورغم الطابع العلمي الواضح للمهمة، إلا أن بعدها السياسي كان حاضراً بقوة. فقد جاء الترحيب الرسمي من الإدارة الأمريكية على لسان الرئيس دونالد ترامب، ليعكس توظيف هذه النجاحات ضمن خطاب الريادة التكنولوجية الأمريكية في الفضاء، بما يعزز مكانتها الدولية في هذا المجال الحيوي.
لا يمكن فصل مهمة "أرتيميس 2" عن التحولات الأوسع في ميزان القوى العالمي. يتزامن تقدم البرنامج الأمريكي مع صعود الصين كقوة فضائية منافسة، حيث تخطط بكين لإرسال بعثات مأهولة إلى القمر بحلول عام 2030. بالتوازي، تتعاون الصين مع روسيا لإنشاء محطة أبحاث قمرية دولية بحلول عام 2035، مما يشير إلى نشوء محور فضائي بديل.
في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى ترسيخ نفوذها عبر "اتفاقات أرتيميس"، التي انضمت إليها عشرات الدول، وتهدف إلى وضع إطار تنظيمي للنشاط القمري وفق رؤية أمريكية. بذلك، لم يعد التنافس مقتصراً على التفوق التكنولوجي، بل امتد ليشمل بناء التحالفات الدولية وصياغة قواعد الحوكمة المستقبلية للفضاء.
يعكس هذا التوجه تحول الفضاء إلى مساحة تنافس سياسي وقانوني، حيث تسعى كل قوة كبرى إلى تثبيت معاييرها الخاصة، بما يضمن لها موقعاً متقدماً في إدارة الموارد والأنشطة خارج الأرض.
لم يعد القمر مجرد هدف علمي بحت، بل اكتسب أهمية استراتيجية متزايدة. فوجود موارد محتملة مثل الجليد المائي ونظير الهيليوم-3 يمنحه قيمة اقتصادية مستقبلية هائلة. كما أن موقعه يجعله نقطة مثالية لتطوير بنى تحتية فضائية تدعم الرحلات المستقبلية إلى المريخ وما بعده.
إلى جانب ذلك، بدأ البعد الأمني يفرض حضوره بقوة في النقاشات الفضائية. يتحدث مسؤولون في سلاح الفضاء الأمريكي عن ضرورة تأمين المجال الممتد بين الأرض والقمر، مما يعكس انتقال المفاهيم الدفاعية إلى خارج المدار الأرضي، ويدفع نحو سباق غير معلن على السيطرة على البنية التحتية الفضائية.
في ظل هذا التحول، تصبح شبكات الاتصالات والملاحة القمرية عنصراً حاسماً في تحديد ميزان القوى المستقبلي، إذ إن الجهة التي تنجح في تأسيس هذه البنية أولاً ستكون قادرة على التأثير في قواعد التشغيل والمعايير التقنية المعتمدة دولياً.
يرى علماء فضاء أنه مع تزايد وتيرة الخطط لإنشاء قواعد قمرية وإطلاق بعثات مأهولة نحو المريخ، فإن الفضاء يتجه ليكون أحد أبرز ميادين التنافس في القرن الحادي والعشرين، في وقت تتشكل فيه ملامح مرحلة جديدة ستحدد طبيعة الحضور البشري خارج الأرض لعقود قادمة.
يذكر أن مهمة "أرتيميس 2" أقلعت من مركز كينيدي الفضائي في فلوريدا في الأول من نيسان الجاري، وعلى متنها ثلاثة أمريكيين هم ريد وايزمان، وفيكتور غلوفر، وكريستينا كوك، بالإضافة إلى الكندي هانسن.
يهدف برنامج أرتيميس، الذي كُشف عنه خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب، إلى إقامة وجود بشري دائم على القمر في نهاية المطاف، والتمهيد لرحلات مقبلة نحو المريخ، لكنه تعرض لتأخيرات كثيرة في السنوات الأخيرة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة