ذاكرة أبواب مسيحيي سوريا المغلقة: تأملات المهندس باسل قس نصر الله في وجع الغياب


هذا الخبر بعنوان "ذاكرة أبواب مسيحيين سورية المغلقة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم المهندس باسل قس نصر الله:
في فترة نقاهتي من عملية زرع شبكات قلبية، وجدتُ نفسي أتأمل حالي كالكثيرين غيري. أولادنا ليسوا هنا، فقط أنا وزوجتي، وأصواتهم عبر الهاتف تطمئنني وتشجعني. بينما كنتُ أتصفح بصمتٍ مثقل، استوقفتني عبارة بسيطة: "وهيك زادوا البواب المغلقة باب .." لم تكن تلك الجملة مجرد عبارة عابرة، بل كانت مرآة تعكس واقعاً مؤلماً.
فرد يغادر، وآخر يلحق به، ثم عائلة بأكملها تُغلق بابها، وكأنها تُقفل فصلاً كاملاً من ذاكرة المكان. في العديد من الصباحات، كنتُ أفكر بزيارة أحدهم، ثم أتذكر أنه قد سافر. أُكمل يومي وكأن شيئاً ما قد انكسر في صمت. هذه الأبواب المغلقة لا تُغلق وحدها، بل تُغلق في صدري أيضاً.
كم مرة مررتُ بتلك الشوارع التي حفظت خطاي، أنظر إلى الشرفات والنوافذ والحجارة ذاتها، وكل شيء يهمس: "كانوا هنا". كم فنجان قهوة احتسيته على تلك الشرفة من يد أمّ جورج؟ وكم ليلة شتاء احتمينا فيها في بيت أنطون، ندرس ونضحك ونحلم؟ كم مرة اجتمعنا حول مائدة بسيطة، تُحضّر فيها التبولة بمحبة خالصة، لا بمجرد طقوس؟ حتى ضحكاتنا كانت أثقل من أن تُنسى.
كانت الأرصفة تعرف أسماءنا، والشوارع تحفظ أسرارنا، وكنا نرسم مستقبلاً لم نكن نعلم أنه سيتكسر على أبواب المطارات. تزوجنا وأنجبنا وكبرنا، واليوم أمشي وحدي. أمرّ أمام أبواب أعرفها جيداً، أبواب لن تُفتح كما كانت في السابق. حتى أوراق النعوات على الجدران لم تعد مجرد إعلان حزن، بل أصبحت دليلاً على الغياب، بعبارة "للفقيد أقارب في المهجر..." وقد كثرت هذه الإعلانات حتى أصبحت تحتل كامل الصفحة، وكأن الوطن قد صار الهامش، بينما الغربة هي الأصل.
عذراً يا فيروز، فمهما غنيتِ "سنرجع يوماً"، نحن نعرف الحقيقة التي لا تُقال: هم لن يرجعوا. سيأتون، نعم، لكن كزوار. سيأتون لبيع بيت، ليلمسوا جداراً، ليأخذوا صورة، ثم يعودوا إلى حيث أصبحت حياتهم. سيأتون ليشبعوا حنيناً مؤقتاً، لا ليعيشوا من جديد. نعرف، حتى لو كذبنا على أنفسنا، أن العودة ليست إلا فكرة جميلة، لا أكثر.
كنائسنا لن تمتلئ بوجوههم كما كانت، وساحاتنا لن تعود تضج بخطواتهم، ومقاهي الأمس ستبقى تنتظر من لا يأتي. نحن، الذين بقينا، سنحمل ذاكرة أثقل من قدرتنا على احتمالها. سنحفظ التفاصيل الصغيرة، وسنحكي عن زمن كان حياً، لكننا لن نخدع أنفسنا: لن يعود كل شيء كما كان. نعم، الأبواب المغلقة تزداد، وليس في الأمر مبالغة، بل وجع يتسع. اللهم اشهد بأنني قد بلغت.
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
سوريا محلي
سوريا محلي
اقتصاد
علوم وتكنلوجيا