اعتصام دمشق: التضليل الرقمي يفاقم تحديات التغطية الإعلامية ويعمق الانقسام السوري


هذا الخبر بعنوان "“اعتصام دمشق”.. تضليل رقمي يربك التغطية ويعمق انقسام السرديات" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعاد اعتصام «قانون وكرامة»، الذي شهدته العاصمة دمشق يوم الجمعة الموافق 17 من نيسان، فتح نقاش أوسع تجاوز حدود الحدث نفسه. امتد هذا النقاش ليشمل طريقة إنتاج الخبر وتداوله، وحدود المعلومة في الفضاءين الإعلامي والرقمي، وذلك ضمن سياق سوري ما زال يعيد تشكيل أدواته بعد سنوات الحرب. وبينما بدا الاعتصام في ظاهره تحركًا مدنيًا ذا طابع معيشي ومطلبي، سرعان ما تداخلت حوله روايات متعددة، تباينت بين وسائل الإعلام المحلية ومنصات التواصل الاجتماعي، ما أنتج مساحة واسعة من التضارب في المعلومات والتأويلات.
أحد أبرز المظاهر التي رافقت الحدث تمثل في انتشار معلومات غير موثقة على منصات التواصل الاجتماعي، تضمنت اتهام بعض الأشخاص بأنهم من «فلول النظام السابق»، قبل أن يتبين أن جزءًا من هذه الادعاءات لم يستند إلى تحقق أو مصادر واضحة. هذا النمط من التوصيفات السريعة يعيد طرح إشكالية استخدام تصنيفات سياسية واجتماعية فضفاضة في الفضاء الرقمي. وتتحول بعض المنشورات إلى أدوات لإطلاق اتهامات أو إعادة إنتاجها، دون المرور بمسار تحقق مهني أو قانوني. وفي هذا السياق، تبرز أسئلة تتعلق بمدى تأثير هذه الممارسات على حقوق الأفراد، وحدود ما يمكن اعتباره حرية تعبير مقابل ما قد يندرج ضمن التشهير أو المساس بالسمعة في بيئة رقمية عالية التفاعل وسريعة الانتشار.
على صعيد آخر، أظهرت التغطية الإعلامية المحلية للحدث تباينًا في مستويات التعامل مع المعلومات، بين وسائل حاولت التحقق من الروايات قبل نشرها، وأخرى اعتمدت بشكل أكبر على ما يتم تداوله عبر منصات التواصل. هذا التباين يسلط الضوء على تحديات مهنية تواجه الإعلام المحلي في التعامل مع الأحداث السريعة، خصوصًا في ظل ضغط سرعة النشر وتعدد مصادر المعلومات غير الرسمية، ما يفتح النقاش حول مدى نضج أدوات التحقق والتدقيق في البيئة الإعلامية الحالية. وفي المقابل، يلاحظ أن بعض التغطيات اتجهت إلى قدر أكبر من الانفتاح مقارنة بسنوات سابقة، سواء في صياغة الخبر أو في نسب المعلومات، وهو ما يقرأ على أنه تحول تدريجي في المعايير المهنية، وإن كان لا يزال غير مكتمل.
كشف الحدث عن انقسام واضح في الشارع السوري حول تفسيره ودلالاته، حيث تباينت القراءات بين من اعتبره تحركًا مطلبيًا مرتبطًا بالأوضاع المعيشية، وبين من وضعه في سياقات سياسية وأمنية أوسع. هذا الانقسام لم يقتصر على المواقف، بل امتد إلى طبيعة السرديات المتداولة، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ برزت روايات متقابلة أحيانًا حول الحدث ذاته، ما يعكس غياب سردية موحدة أو مرجعية مشتركة لتفسيره.
وفي هذا السياق، أشار الحقوقي المعتصم الكيلاني، في حديثه لعنب بلدي، إلى أن ما شهدته دمشق من اعتصام مدني يعكس مطالب معيشية محقة تتعلق بالعدالة ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب. كما تضمن قضايا الغلاء وارتفاع الأسعار وخفض تكاليف الكهرباء، وتعزيز الشفافية واعتماد الحوكمة الرشيدة القائمة على الكفاءة بدل الولاء، وذلك في ظل واقع معيشي يرزح فيه أكثر من 85% من السكان تحت خط الفقر.
وأضاف الكيلاني أن ما رافق الحدث من حملات تخوين واتهامات وجهت لبعض المشاركين بوصفهم «فلول النظام السابق»، بالتوازي مع محاولات لركوب المشهد من جهات مرتبطة بالنظام السابق، يضاف إليها اعتداءات لفظية وجسدية وحملات تشويه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أسهم في تعميق الانقسام المجتمعي، رغم ما وصفه بالتعامل المهني لقوات الأمن العام الذي حال دون تفاقم التوتر.
وأوضح أن انتشار المعلومات غير الموثقة يمثل إشكالية تمس الحقوق الفردية، فإطلاق اتهامات دون سند قانوني أو أدلة موثوقة ينعكس مباشرة على سمعة الأفراد وكرامتهم. كما أنه يتعارض مع مبدأ شخصية المسؤولية الذي يؤكد عليه الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025، والذي يرفض التعميم ويشترط قيام المسؤولية على أساس فردي مثبت قانونًا.
وأشار إلى أن تداول هذه الاتهامات عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد يتجاوز حرية التعبير إلى مستوى التشهير، خصوصًا عندما يتضمن إسناد أفعال أو صفات تمس الشرف أو النزاهة دون دليل. هذه الأمور تندرج ضمن جرائم الذم والقدح في قانون العقوبات السوري، ويزداد خطورته عند وقوعه عبر الفضاء الرقمي وفق قانون الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022، لافتًا إلى أن ذلك يمس أيضًا بمبدأ قرينة البراءة.
ما جرى يعكس خطورة تحول المنصات الرقمية إلى فضاء بديل لإطلاق الاتهامات والتوصيفات السياسية دون تحقق، بما يهدد بخلط الوقائع بالشائعات. ويضعف ذلك الأمر فرص بناء عدالة انتقالية قائمة على المسؤولية الفردية والمحاسبة القانونية، مؤكدًا أن ضبط الخطاب العام، خصوصًا في الفضاء الرقمي، بات ضرورة لحماية مسار أي مصالحة مجتمعية محتملة.
المدير التنفيذي والمؤسس في منصة «تأكد»، أحمد بريمو، أشار في حديثه لعنب بلدي، إلى أن التغطية الإعلامية المحلية للاعتصام شهدت تطورًا ملحوظًا من حيث استخدام المصطلحات وتوصيف الحدث وربطها بأسبابه وخلفياته. إلا أن ذلك تزامن مع ملاحظات تتعلق بمحاولات بعض وسائل الإعلام، لا سيما المحسوبة على الإعلام الرسمي، وسم متظاهرين بصفات لا ينبغي إدراجها ضمن المواد الصحفية.
وأضاف أن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا لمبادئ مدونة السلوك المهني، التي تفرض على وسائل الإعلام تحري الدقة والموضوعية، خاصة في تغطية الأحداث الحساسة، مشيرًا إلى ضرورة الالتزام بهذه المعايير في التغطيات المستقبلية. ولفت إلى وجود ما سماه بـ «خيبة أمل» من أداء بعض وسائل الإعلام فيما يتعلق بالتعليقات المرافقة للمواد المنشورة، سواء عبر منصات المؤسسات أو من خلال حسابات شخصية لإعلاميين عاملين فيها. بعض هذه التعليقات تنتهك مدونة السلوك المهني وكل المبادئ الأخلاقية المرتبطة بتغطية أحداث من هذا النوع، بحسب بريمو. كما أشار إلى أن التسرع في نقل ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل ناشطين شكل أحد أبرز أسباب التضليل. الاعتصام كان محضرًا له ومعلنًا عنه مسبقًا، ما كان يستدعي من المؤسسات الإعلامية إعداد سياقات مهنية واضحة حوله، بدلًا من الاعتماد على محتوى المستخدمين.
وأضاف أن عددًا من الصور ومقاطع الفيديو والادعاءات المتداولة حول المشاركين تبين أنها مفبركة أو مضللة ولا تستند إلى وقائع.
وفيما يتعلق بدور الإعلام في تعزيز أو الحد من الانقسام، اعتبر بريمو أن تقديم الحقائق وإبراز الأسباب الحقيقية للحدث يشكل عاملًا أساسيًا في ضبط السرديات. وشدد على ضرورة التوقف عن توصيف المعتصمين بـ «فلول النظام السابق»، والعمل بدلًا من ذلك على تقديم سياق واضح يشرح خلفيات الاعتصام وأسبابه.
وبيّن أن من أبرز سمات المعلومات المضللة التي رافقت الحدث كانت تلك المرتبطة بطبيعة المطالب نفسها، حيث جرى الترويج لروايات تفيد بأن المشاركين هم من المتضررين من سقوط النظام أو من بقاياه. كما جرى تلفيق اتهامات لأشخاص جرى تصويرهم خلال الاعتصام أو اجتزاء صورهم، وتقديمهم على أنهم مرتبطون بشخصيات أمنية أو جهات من النظام السابق، بهدف تعزيز هذه السردية. ويرى بريمو أن دور وسائل الإعلام في هذا السياق يجب أن يكون أكثر فاعلية في دحض هذه الادعاءات وتقويض مصداقية الجهات التي تروج لها.
غياب المعلومات الدقيقة حول طبيعة الاعتصام ومطالبه ساهم في خلق إشكال داخل الشارع. إلى جانب ذلك، فتح المجال أمام مواقف مهاجمة للاعتصام، بعضها صادر عن شخصيات تحسب على السلطة الحالية، وإن لم تكن جميعها تشغل مناصب رسمية.
آثار اعتصام دمشق لا يبدو أنها توقفت فقط على طبيعته أو نتائجه المباشرة، بل في كونه كشف طبقات أعمق تتعلق بطريقة تداول المعلومات، وحدود التحقق، وتداخل الإعلام مع الفضاء الرقمي، إلى جانب استمرار الانقسام في تفسير الأحداث العامة داخل المجتمع السوري. ويطرح ذلك أسئلة أوسع حول مسار تطور الإعلام المحلي، وقدرته على لعب دور وسيط مهني بين الحدث والرأي العام، في بيئة ما زالت تشهد إعادة تشكل للسرديات وأدوات إنتاجها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة