جامعة حلب: طلاب يدرسون التجربة ولا يمارسونها.. واقع المختبرات المتدهور يهدد الكفاءة العملية


هذا الخبر بعنوان "في جامعة حلب.. طلاب يدرسون التجربة .. ولا يعيشونها _ محمد العمر" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في جامعة حلب، لا يحتاج الطالب إلى آلة زمن ليعود سنوات إلى الوراء، يكفي أن يدخل مخبراً عملياً في إحدى كليّاتها ليرى واقعاً متقادماً لا يواكب التطورات العلمية والتقنية الحديثة. هذا ما كشفه تحقيق لـ «سناك سوري» بقلم محمد العمر.
في كلية العلوم مثلاً، تظهر عبوات بلاستيكية بيضاء وبضع محاليل كيميائية مصطفّة أمام مقعد التدريس، وخلفها مقاعد خشبية متراصة، في مشهد أقرب إلى مختبر مدرسي منه إلى مخبر جامعي. أما في بعض كليات الهندسة، فلا يزال الطلاب يستخدمون حواسيب قديمة تستغرق وقتاً طويلاً للإقلاع، في تناقض صارخ مع الأجهزة المحمولة التي أصبحت جزءاً أساسياً من التعليم التقني في جامعات عالمية كثيرة.
يصف طارق، طالب السنة الرابعة في قسم الهندسة التقنية، هذا الواقع بسخرية مريرة قائلاً: «كأنك تسافر إلى الماضي». ويشير إلى الفجوة المتزايدة بين التعليم العملي الذي يتلقاه طلاب جامعته، وما ينجزه طلاب في جامعات أخرى من روبوتات وبرامج ونماذج متقدمة في الذكاء الاصطناعي.
يؤكد طارق أن مخابر كلية الهندسة المعلوماتية بجامعة حلب «لا تضم تجهيزات حديثة قادرة على إجراء تجارب متطورة، ومنح الطالب فرصة اختبار المواد النظرية التي يدرسها وتطبيق ما تعلّمه على أرض الواقع». هذا النقص يحوّل العملي إلى شرح نظري داخل المخابر نفسها، التي تفتقر إلى المواد اللازمة لإجراء التجارب، سواءً «الحساسات» أو «الشرائح الرقمية» أو أجهزة القياس، وحتى «الروبوتات».
وبحسب طارق، فإن تجارب «الميكاترونيكس والروبوتات» تُختزل غالباً إلى معادلات مكتوبة وشرح نظري، من دون تطبيق فعلي، بسبب غياب المعدّات اللازمة. ويضيف أن «التجارب التي تُجرى في المخابر لا تقدّم فائدة ملموسة غير التعريف بالأساسيات، ويمكن اختصارها بجلستين والدخول بتجارب أعمق». في هذا الواقع، تبقى أجهزة الحاسوب الشخصية الوسيلة الوحيدة التي تمنح بعض الطلاب مساحة محدودة للتطبيق، لكنها لا تعوّض ضعف الخبرة العملية التي يفترض أن تقدمها الكلية.
لا يتوقف أثر النقص في جامعة حلب عند ضعف المخابر، بل يمتد إلى قاعات الامتحانات أيضاً. تقول نور حسن، طالبة في كلية الهندسة المعلوماتية، إن عدداً من المواد الدراسية يتطلب اختباراً عملياً على الحاسوب، لكن تعطل بعض الأجهزة يدفع الإدارة أحياناً إلى إجراء الامتحانات بشكل ورقي. هذا الحل، كما تقول نور، لا يبدو منطقياً في مواد يُفترض أن تُختبر على الكمبيوتر أساساً، ما يضع الطلاب أمام عبء إضافي يتمثل في امتلاك حاسوب شخصي لتقديم الامتحان، وتضيف لـ «سناك سوري»: «إذا الطالب ما معو لابتوب بيتأجل فحصو لموعد فئة تانية، واللي معو لابتوب بيقدم مع فئته».
في كلية الاتصالات، التابعة لكلية الهندسة الكهربائية والإلكترونية، لا يختلف الواقع كثيراً. تقول زينب، إن التجارب العلمية في بعض المقررات تقتصر على «توصيل الدارات»، بينما يُجرى الامتحان على الورق. وتضيف أنها درست مادة البرمجة في السنة الثانية «عبر الشرح النظري، من دون أن تجرّب ما تدرسه على الكمبيوتر، كما أن الامتحان كان نظرياً»، وحتى في السنوات اللاحقة، بقي وجود الحاسوب ضرورياً في مواد مثل «الماتلاب» و«نظم التشغيل»، «رغم أن الامتحان ظلّ ورقياً».
في كلية الهندسة الزراعية، تبدو الصورة أكثر تباينًا. تصف أليسار حلاق، طالبة السنة الخامسة، تجربتها الدراسية بأنها «جيدة من الناحية العملية» في بعض المواد، حيث تتوفر مخابر كافية وأدوات تتيح للطلاب دراسة نماذج نباتية بشكل مباشر. لكن هذا الجانب لا ينسحب على جميع المواد، فتجارب مثل «التقليم» و«التطعيم» تظل محصورة في الشرح النظري عبر شاشة الإسقاط، من دون أن تتاح للطالب فرصة ممارستها فعلياً.
أما ريان، طالبة في السنة الثالثة في الكلية نفسها، فترى أن المخابر تفتقر إلى تجهيزات مناسبة ومريحة للطلاب، «ابتداءً من الكراسي، وصولاً إلى المواد المستخدمة في التجارب»، والتي تصفها بأنها «قليلة وقديمة جداً»، ما يؤدي في بعض الأحيان إلى فشل التجربة نفسها. وتضيف أن بعض التجارب تحتاج إلى «كاشفات كيميائية» لا تتوفر دائماً، فيما تمنع الإدارة الطلاب من شراء المواد اللازمة على نفقتهم الخاصة.
في كلية الهندسة المعمارية، يواجه الطلاب مشكلة نقص المراسم، وهي قاعات الرسم التي تتطلب ساعات طويلة من الجلوس والعمل المتواصل. يقول فهد، طالب في الكلية، إن «مشكلة نقص المراسم في الكلية قديمة ومستمرة»، مضيفاً أن الكراسي المتوفرة لا توفر راحة كافية. كما يشير فهد إلى أنه لم يعد مقبولاً اليوم أن يتخرج مهندس معماري من دون إتقان برامج تصميم عالمية مثل «3D Max»، في حين تكتفي الكلية بتعليم الطلاب الرسم ثنائي الأبعاد عبر برنامج «AutoCAD». هذا النقص يدفع كثيراً من الطلاب إلى اللجوء إلى الدورات الخاصة لتعويض ما لا يوفّره المنهاج الجامعي.
يرى أستاذ الهندسة الميكانيكية في جامعة حلب، باسل عيشة، أن ضعف التجهيزات المخبرية ينعكس مباشرة على مستوى المعرفة العملية لدى الطلاب، ويؤثر سلباً في خبرتهم، ما يفرض عليهم تعويض هذه الفجوة لاحقاً عبر الانخراط في العمل الميداني. ويوضح عيشة أن عدداً كبيراً من المقررات الهندسية لا يمكن فهمه على نحو كافٍ من دون تجارب عملية، مثل «المحركات والضواغط» و«علم الموائع».
من جانبه، يرى علاء بيازيد، باحث الدكتوراه في فيزياء الكم في ألمانيا، أن غياب البيئة التطبيقية المناسبة يمس جوهر التخصص، لأنه يؤدي إلى تخريج طلاب «يحملون شهادات دون كفاءة عملية حقيقية». ويقول بيازيد إن «الشهادات السورية تحظى بثقة أكاديمية نظرية في الخارج، لكن الخريج يصطدم بفجوة تطبيقية تسبب له التردد عند مواجهة أول تحدٍ عملي، لأنه ببساطة لم يلمس أجهزة حقيقية». ويشير إلى أن هذا الحرج يكون أقل وضوحاً في تخصصات مثل البرمجة، لكنه يصل أحياناً إلى درجة «الخطورة» في العلوم الأساسية مثل الفيزياء والكيمياء. وفي مقارنة مع النموذج الألماني، يوضح بيازيد أن الطالب هناك يُدفع باكراً نحو الورشات والشركات والتدريب العملي قبل التخرج، بينما «ينفصل اللقب الأكاديمي عن الواقع المهني» في الحالة السورية.
ويحذّر بيازيد من اختزال جودة التعليم الجامعي في تصنيفات الجامعات، معتبراً أنها لا تعكس بالضرورة واقع العملية التعليمية داخل القاعات والمخابر، ويقول إن «تصنيف الجامعات ليس مؤشراً حقيقياً، فقد يرتفع تصنيف جامعة ما بسبب نشاط بحثي مكثف لباحث أو اثنين فقط، وهذا يعكس نشاطاً فردياً لا جودة تعليم أو بنية أكاديمية متكاملة».
تطرح جامعة حلب، بحسب رئيسها محمد أسامة رعدون، خطة لتحديث المعدات المخبرية عبر إدخال أجهزة حديثة وتطوير البنية التحتية، وتقديم برامج تدريب عملي، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي. تبدأ المرحلة الأولى خلال العام الحالي بصيانة وتحديث مختبرات كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية والعلوم الأساسية، تليها مرحلة ثانية خلال عامي 2027 و 2028، وصولاً إلى المرحلة الثالثة اعتباراً من 2029 التي تهدف إلى إنشاء مختبرات ذكية متقدمة.
وتواجه جامعة حلب، بحسب رعدون، تحديات كبيرة في تأمين الأجهزة والمواد، في مقدمتها الأوضاع الاقتصادية والتمويلية، وصعوبة الاستيراد بسبب العقوبات أو قلة النقد الأجنبي، إضافة إلى الجمود الإداري وطول الإجراءات الروتينية. ويقدّر رعدون أن كل كلية تحتاج إلى نحو 150 جهازاً متخصصاً في كل كلية هندسة أو علوم، ومواد كيميائية وبلاستيكية وأدوات قياس بمخزون يكفي لـ 3 سنوات على الأقل مع تحديث سنوي، إضافة للحاجة إلى ترقية سنوية لمختبرات الحاسوب والبرمجيات بنسبة لا تقل عن 20%.
من جانب آخر، تتواصل جامعة حلب، بحسب رئيسها، مع عدة جهات دولية وعربية ومنظمات محلية لتقديم الدعم للمختبرات، بما يشمل الجمعيات العلمية الدولية في مجالات الهندسة والعلوم، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي undp ومؤسسات أوروبية للتعاون العلمي، ومؤسسات صناعية وشركات كبرى مهتمة بالشراكة الأكاديمية.
في انتظار أن تجد هذه الخطط طريقها إلى التنفيذ، يبحث الطالب السوري عن حلول لتعويض ما ينقصه من خبرة عملية، قبل أن يسقط في أول اختبار عملي خارج ورق الامتحانات وأسوار الجامعة، هناك حيث يبدو الاختبار حقيقياً في سوق العمل. وينصح علاء بيازيد الطلاب بمحاولة تقليل الفجوة بجهود فردية، من خلال التوجّه إلى التعلّم الذاتي، وإتقان مهارات مثل البرمجة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، والاستفادة من المبادرات والجاليات الأكاديمية السورية في الخارج.
هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي