إعمار جوبر والقابون: جدل واسع ومخاوف السكان تتصاعد بشأن التعويضات وحقوق الملكية


هذا الخبر بعنوان "إعمار جوبر والقابون.. استثمار يثير مخاوف السكان" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عادت منطقتا جوبر والقابون في دمشق إلى واجهة النقاش مجددًا، في ظل الحديث عن خطط إعادة إعمارهما بعد الدمار الذي لحق بهما. فبينما تطرح محافظة دمشق مقترحات استثمارية لإعادة الإعمار عبر تحالف من الشركات، تبرز إشكاليات جوهرية تتعلق بنسب التعويضات المقدمة وضمان حقوق السكان، مما يفتح الباب أمام جدل واسع واعتراضات حول عدالة هذه الطروحات وإمكانية تطبيقها على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، أكد محافظ دمشق، ماهر مروان إدلبي، أن ملف إعادة الإعمار يُعد ملفًا وطنيًا، مشيرًا إلى عقد اجتماع مع أهالي منطقتي جوبر والقابون تم خلاله طرح مجموعة من الخيارات المتعلقة بآلية إعادة الإعمار. وأضاف إدلبي أنه تم إرسال فرق فنية من المحافظة للتباحث مع السكان، مؤكدًا أن أعمال إعادة الإعمار ستشمل مختلف المناطق المتضررة. وكانت الحكومة السورية قد طرحت، في 24 من تموز 2025، ضمن المنتدى الاستثماري السعودي السوري، مخططًا لتنظيم مدخل دمشق الشمالي، والذي يقتصر على منطقة القابون الصناعية ولا يشمل المنطقة السكنية.
أوضح عضو مجلس أمناء جوبر، أحمد قويدر، في تصريحات لوسائل إعلامية، أن محافظة دمشق أفادت بوجود تحالف يضم عدة شركات استثمارية قدمت مقترحًا لإعادة إعمار المنطقة، إلا أنه لم يتم تسلم أي وثائق رسمية بهذا الشأن حتى الآن. وأشار قويدر إلى أن العقبة الأساسية تتمثل في انخفاض نسبة التعويض المخصصة للأهالي. وبيّن أن هناك لجنة هندسية وحقوقية تدرس مدى ملاءمة المقترح، حيث حددت النقاط الجوهرية للتفاوض على تعديل العرض بما يضمن حقوق الأهالي.
في ظل التطورات، برز ما يُعرف بـ”الخيار الثالث”، الذي يقضي بتولي المستثمرين عمليات البناء ضمن المناطق المخصصة لهم، مقابل تقسيم المسؤوليات الخارجية بين الحكومة (للمرافق الخدمية) والأفراد (للبنية التحتية). وأوضح عضو اللجنة المركزية للتنمية المحلية في القابون، وائل الدغلي، عبر “فيسبوك”، أن العرض الاستثماري الحالي يتضمن تنفيذ البنية التحتية والفوقية، إلى جانب إعادة إعمار المنطقة بالكامل. وبحسب ما طرحته محافظة دمشق، قال الدغلي إن المفاضلة قائمة بين الخيارين الثالث والرابع، مع وجود فروقات محدودة بينهما. ورغم أن الخيار الثالث قد يمنح نسبًا أفضل، فإنه يتطلب سنوات طويلة للتنفيذ، كما أنه غير مضمون النتائج. وذكر الدغلي أن المحافظة أوضحت أن تكلفة تنفيذ البنية التحتية لكل هكتار تتراوح بين مليون دولار ومليون و20 ألف دولار.
أما “الخيار الرابع”، وهو العرض الاستثماري المطروح، فيتميز، بحسب الدغلي، بإمكانية تسليم الشقق السكنية لأصحاب الأملاك خلال فترة ثلاث سنوات، على أن يمتد المشروع بالكامل حتى سبع سنوات. وأضاف الدغلي أن محافظة دمشق اشترطت أن تكون الأولوية في المرحلة الأولى لتسليم المساكن للمالكين، على أن يستكمل المستثمر بقية مراحل المشروع لاحقًا. وفيما يتعلق بالتعويضات، أشار الدغلي إلى أن الشقة السكنية بمساحة 100 متر مربع، كمثال، يقابلها ما بين 50 إلى 55 مترًا من البناء القائم حاليًا، أما الأراضي الزراعية فتحصل على تعويض يعادل 35% من قيمتها. كما أن بعض العقارات غير المشيدة ضمن المخططات التنظيمية يتم حسابها كما لو كانت مقاسم مفرزة ومبنية، وتُمنح حصصًا على هذا الأساس، وفقًا للدغلي. وأضاف أن أصحاب المخالفات سيحصلون على نسب منخفضة من التعويض، قد لا تمكّنهم من العودة للسكن في نفس المنطقة.
وفيما يتعلق بالخيارين الأول والثاني، أوضح وائل الدغلي أن المحافظة بيّنت أن الخيار الأول، القائم على الاعتماد على المنح، غير متاح حاليًا لعدم وجود منح أو عروض مقدّمة بهذا الخصوص. أما الخيار الثاني، وهو اللجوء إلى القروض، فقد أشارت إلى أنه غير ممكن في الوقت الراهن بسبب الظروف التي تمر بها سوريا.
وفي المرحلة الحالية، لفت الدغلي إلى أن من المتوقع أن يتقدم أهالي مناطق جوبر والقابون بتقارير تتضمن موافقتهم أو رفضهم للمشروع، أو موافقة مشروطة بتحسين نسب التعويض. ونوه الدغلي إلى أن هناك نقاشات حول توزيع الحصص بين المستثمرين والمالكين، ووفق الطرح المتداول، قد يحصل المستثمر على نحو 70% مقابل 30% تقريبًا لأصحاب الأراضي. أما فيما يخص إمكانية زيادة المساحات الطابقية لرفع عدد الشقق المخصصة للسكان، فقال الدغلي إن المحافظة وضحت أن ذلك غير مجدٍ اقتصاديًا، بسبب انخفاض أسعار الطوابق العليا في دمشق مقارنة بالطوابق الدنيا، إضافة إلى أن زيادة الارتفاعات تؤدي إلى رفع الكثافة السكانية، ما يستدعي بنى تحتية إضافية ويزيد من الأعباء على المشروع. وقدم الدغلي اقتراحًا بتشكيل لجان منتخبة أو مختارة، بالتوافق مع أهالي الحي، تضم عددًا من المهندسين المدنيين والمعماريين والقانونيين والمقاولين والاقتصاديين والوجهاء وأصحاب الخبرات، وممثلين عن أصحاب العقارات، لدراسة كل الاحتمالات الممكنة لإعادة الإعمار، ومشاركة الأهالي بكل ما يتم العمل عليه وإنجازه.
عبّر عدد من أهالي القابون، ممن التقتهم عنب بلدي، عن رفضهم للمقترحات المطروحة بخصوص مشاريع الاستثمار وإعادة الإعمار، معتبرين أنها لا تراعي حقوقهم، ولا تعكس قيمة ممتلكاتهم الحقيقية. وأفادوا بأن هناك ظلمًا كبيرًا في هذه الطروحات، إذ يُطلب من الأهالي التنازل عن جزء كبير من ملكياتهم، قد يصل إلى 50%. كما أشاروا إلى وجود منازل كانت تضم عدة عائلات، ومع ذلك، وفق المقترحات، قد يحصل صاحب منزل بمساحة 100 متر مربع على ما يعادل 50 مترًا فقط، وهذا لا يكفي حتى لأسرة واحدة. ولفت بعض الأهالي إلى إشكالية الملكيات العقارية، موضحين أن أصحاب “الطابو الأخضر” قد يُمنحون ما يعادل نصف شقة فقط، مع إلزامهم بدفع الجزء المتبقي، وهو أمر يفوق قدرة كثيرين، كما نبهوا إلى أن البيوت ذات “الطابو الزراعي” ستكون الأكثر عرضة للظلم ضمن هذه الآلية.
من جانبه، قال مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، لعنب بلدي، إن أي آلية تعويض تُطرح استنادًا إلى القوانين التي أقرّها النظام السابق، وعلى رأسها القانون رقم “10” لعام 2018، ستكون غير منصفة لعدة أسباب، أبرزها أن هذه القوانين لم توضع أساسًا لخدمة مصالح المواطنين. وأشار الأحمد إلى أن المطالب خلال السنوات الماضية كانت حول القانون رقم “10”، المطوَّر للقانون رقم “66”، مؤكدًا أن أي نظام تعويضات لا يسبقه إصلاح قانوني حقيقي سيبقى قائمًا على أسس غير عادلة. وأضاف أن اعتماد التعويضات على هذه القوانين، التي سعت منظمات المجتمع المدني والجهات الدولية إلى تغييرها، يُعد أمرًا غير منطقي.
وشدد الأحمد على أن معالجة ملف التعويضات لا يمكن أن تبدأ بإجراءات قانونية، بل يجب أن تنطلق أولًا من إلغاء أو تعديل القوانين النافذة بما يحقق العدالة، موضحًا أن هذه القوانين لا تزال سارية بموجب الإعلان الدستوري، الذي ينص على استمرار العمل بأي قانون لم يتم تعديله أو إلغاؤه. وبيّن أن جوهر المشكلة يكمن في المرجعية نفسها، وعلى رأسها القانون رقم “10”، إلى جانب القوانين السابقة واللاحقة المرتبطة به، وشدد على أن أي إجراءات تُتخذ دون إصلاح هذه المنظومة القانونية، أو استبدال تشريعات أخرى بها تراعي مصالح المواطنين، ستبقى بلا جدوى.
ويستند تنظيم إعادة إعمار مناطق في سوريا، وفقًا لأحمد، إلى مجموعة من التشريعات التي أُقرت خلال السنوات الماضية منها:
بيّن المهندس مظهر شربجي لعنب بلدي ضرورة الاعتراض على أي طروحات من شأنها الانتقاص من حقوق المواطنين أو تقليل قيمة ممتلكاتهم السابقة، مشددًا على ضرورة جبر الضرر بشكل كامل. وقال شربجي إن إعادة الإعمار يجب ألا تتم على حساب المواطنين، لا سيما مالكي الشقق، حيث ينبغي إعادة العقارات لهم بنفس المساحة الأصلية، وحذّر من أن تقليص المساحات قد يدفع الأهالي إلى بيع ممتلكاتهم، ما يفتح الباب أمام الاستغلال ويعيد إنتاج المشكلات التي شهدتها مشاريع سابقة. واقترح شربجي إعادة النظر في المشروع ضمن إطار استثماري جديد يضمن التعويض الكامل لأصحاب الشقق، خصوصًا الأبنية المنظمة والقائمة التي دُمّرت وتعرض سكانها للتهجير. وأكد أن الحلول العمرانية والتخطيطية متاحة، ويمكن من خلالها زيادة المساحات الطابقية بما يلبي احتياجات جميع المتضررين. كما نبّه شربجي إلى مخاطر عدم تعديل مسار المشروع، محذرًا من احتمال حدوث شرخ اجتماعي في المنطقة وظهور إشكاليات متعددة، فضلًا عن تراجع الثقة بين المواطنين من جهة، والدولة أو الجهات الاستثمارية من جهة أخرى.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي