الذهب في سوريا: تقلبات حادة وفجوة سعرية تثير قلق المدخرين.. الليرة السورية والعوامل العالمية تحدد المسار


هذا الخبر بعنوان "تقلبات وفجوة بأسعارالذهب في سوريا.. ما علاقة الليرة؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهد سوق الذهب في سوريا تقلبات حادة منذ 23 من شباط الماضي، مما أثار قلق المدخرين الذين باتوا يخشون تحول هذا المعدن النفيس من أداة أمان إلى مصدر لخسارة مفاجئة. وسجل الذهب أدنى سعر له خلال أقل من شهرين بـ14750 ليرة سورية جديدة للغرام الواحد عيار 21، بينما وصل أعلى سعر له إلى 18350 ليرة سورية للغرام الواحد، بفجوة بلغت نحو 3600 ليرة سورية جديدة (ما يعادل حوالي 28 دولارًا أمريكيًا).
هذا التذبذب الحاد أثار تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذه القفزات السعرية، ومدى ارتباطها بالعوامل المحلية والعالمية. ويأتي هذا التطور في ظل بيئة اقتصادية داخل البلاد تتسم بعدم الاستقرار، حيث تلعب تقلبات سعر صرف الليرة السورية دورًا محوريًا في تحديد اتجاهات السوق.
أوضح مصعب الأسود، مدير عام الهيئة العامة للمعادن الثمينة في سوريا، في حديث لـ«عنب بلدي»، أن سعر الذهب في سوريا مرتبط بعوامل خارجية تتعلق بسعر الأونصة عالميًا، بالإضافة إلى تراجع قيمة الليرة السورية خلال الأسبوع الماضي مقابل الدولار الأمريكي وبقية العملات الأجنبية.
وأكد الأسود عدم وجود أي نقص في المعروض الذهبي داخل البلاد، مشيرًا إلى أن الطلب العالمي يقابل المعروض، ويتحدد السعر وفق الأونصة العالمية ومستوى الطلب عالميًا، سواء بالارتفاع أو الانخفاض. كما لا توجد حاليًا أي عمليات تصدير للذهب المشغول من سوريا، وحتى في حال وجود عمليات تهريب، فهي لا تؤثر بشكل يُذكر، لأن الذهب المحلي هو في معظمه مقتنيات وممتلكات خاصة لا تتجه نحو التهريب. وأضاف أنه في حال حدوث تهريب للذهب، فإنه يكون من خارج البلاد مرورًا بسوريا إلى خارجها، وليس من السوق المحلية، علمًا أنه لم يتم تسجيل أي حالة تهريب مماثلة.
ويرى الأسود أن الطلب على الذهب يزداد في ظل التوترات الجيوسياسية، كما هو الحال حاليًا نتيجة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية.
من جانبه، قدم الخبير الاقتصادي السوري، الدكتور زكوان قريط، رأيًا مختلفًا في حديثه لـ«عنب بلدي»، حيث اعتبر أن السوق يعاني من نقص في المعروض، خاصة من الذهب الخام أو ما يُعرف بـ«الذهب الكسر»، نتيجة تمسك الأفراد بمدخراتهم وعدم رغبتهم في بيعها بالظروف الحالية. كما تلعب القيود على الاستيراد والتصنيع، بحسب قريط، دورًا في الحد من المعروض، ما يزيد من حدة الاختلال بين العرض والطلب ويؤثر على حركة السوق.
بيّن الأسود أن المشغولات الذهبية التي كانت تُهرّب سابقًا قبل تنظيم هذا القطاع قد تمت تسوية أوضاعها. فقد جرى إدخال الكميات غير المختومة إلى جمعيات الصاغة في المحافظات ضمن جدول زمني محدد انتهت المهلة له سابقًا، وقام المالكون بالإفصاح عن الكميات غير المختومة، ليتم تسوية المخالفات وختمها بعد فحصها والتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية السورية، ومن ثم وسمها بالسمة السورية.
وأكد أن هذا الملف قد أُغلق، وأن ما يدخل حاليًا من مشغولات ذهبية يتم عبر المنافذ البرية والبحرية بالطرق المشروعة، مع خضوعه للرسوم الجمركية وختم جمعية الصاغة.
أما فيما يتعلق بالذهب المزور، فأوضح الأسود أنه لا توجد كميات كبيرة منه، وإنما حالات محدودة من الغش كانت موجودة سابقًا، وذكر أن جزءًا لا بأس به من الذهب المتداول في الأسواق يعود إلى ما قبل سقوط النظام، مشيرًا إلى وجود جولات رقابية يومية في جميع المحافظات. وبيّن أن ما يُسمى بالذهب المزور غالبًا ما يكون بعيار أقل بقليل من الحد المسموح، وفي هذه الحالة يتم ضبط القطع واتخاذ الإجراءات بحق الورشات المخالفة، سواء بسحب القطع أو إتلافها وفق الأصول، وإذا لم تكن ورشة، يتم إتلاف الكميات وتسليمها أصولًا لمالكيها.
يجدد مدير الهيئة التأكيد على أن التسعيرة اليومية للذهب في سوريا تحدد بناءً على سعر الأونصة العالمية، كما أن أي سوق داخلي يخضع أيضًا لقانون العرض والطلب. وقد يكون السعر المحلي أعلى قليلًا من السعر العالمي أو مساويًا له أو أقل منه، إلا أن هناك غالبًا انسجامًا بين الأسعار محليًا وعالميًا في حركتي الصعود والهبوط.
ويشهد سوق الذهب في سوريا ارتفاعًا متزامنًا مع تجاوز سعر صرف الدولار مستويات مرتفعة، في انعكاس مباشر للعلاقة الوثيقة بين الذهب والعملات الأجنبية، ولا سيما الدولار الأمريكي، قبل أن يترنح الذهب قليلًا الخميس الماضي بهبوط لا يتجاوز 500 ليرة سورية جديدة، ليصبح حجم الارتفاع يقدر بنحو 3100 ليرة جديدة، أي أكثر من ستة أضعاف.
وتُحسب الأسعار محليًا وفق معادلة تقوم على ضرب سعر الأونصة عالميًا (بالدولار) بسعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية، ما يجعل أي تغير في أحد هذين العاملين مؤثرًا بشكل مباشر على السوق. وفي هذا الإطار، فإن ارتفاع سعر صرف الدولار يعني تراجع قيمة الليرة، الأمر الذي يؤدي تلقائيًا إلى ارتفاع أسعار الذهب محليًا حتى في حال استقرار سعره عالميًا، بينما يتضاعف التأثير في حال ارتفاع العاملين معًا.
يتوقع مدير هيئة المعادن الثمينة أن يبقى الاتجاه العام لأسعار الذهب صاعدًا على المدى البعيد، وأن أي انخفاضات مرحلية لا تعدو كونها حركات تصحيح طبيعية ضمن هذا المسار. وعلى الصعيد العالمي، يرتبط الذهب بعدة عوامل رئيسة، أبرزها: التوترات الجيوسياسية، معدلات التضخم، والسياسات النقدية، خاصة تلك المتعلقة بأسعار الفائدة. وأشار الأسود إلى أن خفض معدلات الفائدة على غرام الذهب، يؤدي عادة إلى زيادة الإقبال على الشراء.
ومحليًا، يزداد الاعتماد على الذهب كوسيلة للحفاظ على القيمة، في ظل محدودية البدائل الاستثمارية وارتفاع حالة عدم اليقين الاقتصادي، ما يعزز الطلب عليه ويضغط باتجاه ارتفاع الأسعار. وبناء على كل هذه المعطيات، يرجح مدير الهيئة أن تستمر أسعار الذهب في التقلب ضمن مسار صاعد على المدى الطويل، مع تسجيل تراجعات مؤقتة من وقت لآخر نتيجة تصحيحات في الأسواق العالمية أو تحسن نسبي في سعر الصرف.
اعتبر الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور زكوان قريط، أن الأولوية للتأثيرات على أسعار الذهب تكون بشكل مباشر للتوجهات العالمية والإقليمية. فعالميًا، أدت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، مثل الصراعات والنزاعات، إلى زيادة جاذبية الذهب كملاذ آمن للمستثمرين والبنوك المركزية. وأشار إلى أن البنوك المركزية حول العالم رفعت من مشترياتها من الذهب بشكل ملحوظ، حيث تجاوزت 1000 طن سنويًا خلال الأعوام الثلاثة الماضية، مقارنة بمتوسط 600 طن في العقد السابق، وهو ما أسهم في دفع الأسعار العالمية نحو الارتفاع.
وإقليميًا، تلعب الصراعات المستمرة في المنطقة، بما في ذلك التوترات في إيران ولبنان وغزة، دورًا محوريًا في زيادة حالة عدم اليقين، الأمر الذي يدفع المستثمرين والأفراد نحو الذهب كوسيلة لحماية مدخراتهم، بحسب قريط.
أكد قريط أن العلاقة بين سعر الذهب وسعر صرف الليرة السورية هي علاقة طردية قوية ومباشرة، إذ يتم تحديد سعر غرام الذهب محليًا وفق معادلة تعتمد على السعر العالمي للأونصة وسعر صرف الدولار مقابل الليرة في السوق الموازية. وبناء على ذلك، فإن أي تراجع في قيمة الليرة يؤدي تلقائيًا إلى ارتفاع أسعار الذهب محليًا، حتى في حال استقرار الأسعار العالمية، ما يجعل السوق شديد الحساسية لأي تقلبات نقدية.
ولعل من أهم أسباب كون الذهب مرغوبًا في التداولات، بحسب الخبير زكوان قريط، هو «تدهور العملة المحلية»، مشيرًا إلى أن الحديث عن إعادة تقييم الليرة أو حذف أصفار منها قد يغير الأرقام الاسمية لأسعار الذهب، لكنه لا يؤثر على قيمته الحقيقية المرتبطة بالدولار والأسواق العالمية.
وتعاني سوق الذهب في سوريا من حالة عدم توازن بين العرض والطلب، حيث يشهد الطلب ارتفاعًا ملحوظًا في ظل توجه المواطنين نحو الادخار والتحوط من المخاطر الاقتصادية، بينما يزداد هذا الطلب بشكل خاص خلال فترات الأزمات، ما يسهم في دفع الأسعار نحو الارتفاع، ويعكس حالة من القلق العام وعدم الاستقرار الاقتصادي.
وتشير المعطيات، وفقًا للخبير ذاته، إلى وجود تغير واضح في سلوك المستهلكين، حيث تراجع الإقبال على شراء الحلي والمشغولات الذهبية لأغراض الزينة، مقابل زيادة الطلب على الذهب كأداة ادخار، مثل الليرات الذهبية والأوزان الخفيفة. ويعكس هذا التحول طبيعة المرحلة الاقتصادية، التي تدفع الأفراد إلى التركيز على الحفاظ على القيمة بدلًا من الإنفاق الاستهلاكي. وبناء على هذه المؤشرات، يرجح أن تستمر أسعار الذهب في مسارها الصاعد على المدى الطويل، مدفوعة بالعوامل الهيكلية القائمة، مع احتمالية حدوث تراجعات مؤقتة لا تغيّر من الاتجاه العام للسوق.
سياسة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد