عيد الجلاء السوري: تباين الذاكرة الوطنية بين الأجيال وتأويلات السياسة


هذا الخبر بعنوان "عيد الاستقلال السوري بين ذاكرتين" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في السابع عشر من نيسان عام 1946، غادرت القوات الفرنسية الأراضي السورية، إيذانًا بانتهاء حقبة الانتداب وبدء مرحلة الاستقلال الرسمي. هذا الحدث، الذي يُفترض أن يكون لحظة تأسيسية في الوعي الوطني، لم يحتفظ بمعناه الثابت بمرور الزمن، بل تحول إلى نقطة التقاء تتشابك فيها الذاكرة مع السياسة، والتاريخ مع إعادة التأويل، كما يوضح يزن قر في تقريره لـ عنب بلدي.
تحت حكم حزب “البعث”، لم يكن عيد الجلاء مجرد مناسبة وطنية تُستعاد، بل صار جزءًا لا يتجزأ من سردية تربوية وسياسية متكاملة. ففي المدارس، كان يُستحضر عبر الدروس الوطنية وتاريخ التحرر، لكنه غالبًا ما كان ينتهي إلى ترديد شعارات جاهزة، بدلًا من أن يكون نقاشًا حيًا حول جوهر معنى الاستقلال. وهكذا، تحول الجلاء من حدث تاريخي مفتوح على التفسير إلى نص محفوظ يُلقَّن، وإلى ذاكرة رسمية تُعاد صياغتها ضمن إطار الحزب والدولة. ورغم ذلك، بقي هذا اليوم حاضرًا في التقويم السوري، إلا أن حضوره العملي قد تغير. ففي مراحل عديدة، خاصة المتأخرة منها، لم يعد عيد الاستقلال يتجاوز كونه يوم عطلة رسمية، على عكس دول أخرى تُحيى فيها المناسبة بفعاليات عامة واسعة وطقوس جماعية تجدد معنى الوطن. وقد خفتت المظاهر الاحتفالية تدريجيًا في الحالة السورية، وكأن الدولة اكتفت بالرمز دون الحاجة إلى إعادة إحيائه في الفضاء العام.
يستعيد محمود بيطار (84 عامًا) عيد الجلاء بوصفه أكثر من مجرد مناسبة وطنية، فهو يمثل حدًا فاصلًا بين زمنين. ذاكرته لا تبدأ من لحظة الاستقلال نفسها، بل من القصص التي سبقتها، من زمن الانتداب الفرنسي، ومن أخبار الإضرابات والخوف التي كانت تتناقلها الأجيال. وقد صرح محمود لـ عنب بلدي، أن “17 نيسان لم يكن مجرد تاريخ يُعلَّم، بل لحظة تحوّل حقيقية، فعندما خرج الفرنسيون، لم نشعر فقط بأن قوة أجنبية غادرت، بل بأن البلاد بدأت تُشبه أهلها”. بالنسبة لجيله، كان الجلاء استعادة حية للذاكرة الوطنية، لا مجرد احتفال رسمي، لكن مع مرور الوقت، أصبح هذا الحضور أقل كثافة وتأثيرًا لدى الأجيال اللاحقة.
يرى جزء من الجيل الشاب أن عيد الجلاء لم يعد يحمل المعنى نفسه، لأن مصدر الوعي قد تغير؛ فلم يعد التاريخ يُبنى فقط عبر الرواية، بل عبر التجربة المباشرة وما تراكم في الذاكرة اليومية. وقال محمد كاخيا (27 عامًا)، “لم نعش تلك المرحلة، لذلك نتعامل مع 17 نيسان كتاريخ ندرسه أكثر مما نشعر به”. لكن في المقابل، ظهرت رموز جديدة أكثر ارتباطًا بتجارب هذا الجيل المباشرة، حيث بات بعض الشباب يعيد تعريف فكرة “التحرير” بناءً على ما عاشوه من تحولات سياسية واجتماعية. بالنسبة لهم، لم يعد المعنى مرتبطًا فقط بخروج قوة استعمارية، بل بلحظات داخلية غيرت علاقتهم بالدولة والسلطة والهوية. هذا التحول لا يعكس قطيعة كاملة، بل اختلافًا في مصادر الوعي، إذ ثمة جيل تشكّل عبر السرد التاريخي، وجيل آخر تشكّل عبر التجربة المباشرة.
يبرز رمز العلَم السوري كأحد أكثر الرموز تعقيدًا في هذا السياق، فالعلَم ذو النجوم الحمراء، الذي ارتبط بمرحلة ما بعد الاستقلال، ظل حاضرًا في مراحل متعددة من تاريخ الدولة، لكنه لم يحتفظ بمعنى واحد ثابت. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، عاد هذا العلَم إلى الواجهة من زاوية جديدة، إذ رُفع بوصفه رمزًا معارضًا في مواجهة علَم النظام السابق، لا مجرد رمز تاريخي للاستقلال. ومع سقوط نظام “البعث” لاحقًا، أُعيد اعتماده رسميًا، لكن دلالته بقيت محل تباين، بين من يراه علَم الدولة واستمراريتها، ومن يراه امتدادًا مباشرًا لرمزية الثورة وتجربتها. هذا التعدد في القراءة يعكس أن الرموز ليست ثابتة، بل تتغير بتغير التجربة السياسية والاجتماعية التي تُسقط عليها.
على الرغم من هذا التباين، يبقى 17 نيسان حاضرًا في التقويم السوري كمحطة مفصلية في مسار الاستقلال، لكنه حاضر بذاكرة متعددة الطبقات. فبين ذاكرة تُنقل، وتجربة تُعاش، وبين احتفال رسمي محدود وذاكرة اجتماعية تتشكل بشكل غير متساوٍ، تتباعد دلالات هذا اليوم من جيل إلى آخر. هكذا، لا يعود السؤال عن عيد الجلاء سؤالًا عن حدث انتهى في عام 1946، بل عن معنى الاستقلال نفسه: هل هو لحظة تاريخية تُحسم مرة واحدة، أم تجربة مستمرة يعاد تعريفها مع كل جيل؟
سياسة
سياسة
سياسة
سوريا محلي