سوريا: مفترق طرق جيوسياسي يحدد مصيرها بين العبور الإقليمي والتنازع على النفوذ


هذا الخبر بعنوان "سوريا بين الجغرافيا والسيادة: هل تتحول إلى عقدة عبور أم ساحة تنازع إقليمي؟" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما كان التصور الجغرافي لسوريا، كحلقة وصل لربط البحار وكمحور للطاقة، جزءًا أساسيًا من رؤيتها منذ رسم الحدود السياسية لشرقي المتوسط. لكن هذا الدور الوظيفي ظل رهينًا للأزمات، إذ يُطرح في سياقين: إما استجابة لواقع إقليمي ضاغط كما هو الحال اليوم، أو في محاولة من دمشق لكسب دور سيادي جديد. يضاف إلى ذلك اليوم مسار ثالث مرتبط بالواقع الاقتصادي السوري المتعثر، حيث باتت الوظيفة الاستثمارية لهذا الطرح واضحة في ظل تحول الرؤية لدور سوريا على المستويين الداخلي والإقليمي.
تكمن المفارقة في هذا الموضوع في مسألتين أساسيتين. الأولى هي أن إعادة فهم الجغرافيا السورية لا يمكن أن تقتصر على بعدها الوظيفي الاقتصادي فحسب. فالاستثمار في هذا الموقع يدفع نحو افتراض التحكم بمسارات الطاقة والتجارة، وتأدية دور سيادي يتجاوز المساحة الجغرافية لسوريا نحو تحكم إقليمي أوسع. إن الاقتصار على الدور الوظيفي الاقتصادي يحمل مؤشرًا على تحييد ما ستفرضه عمليات التحكم الاقتصادي، وفي المقابل يجعل من الاستثمار نقطة ارتكاز هشة تلغي مفهوم الهيمنة على عمليات الربط القاري، وتدفع الجغرافيا السورية إلى مساحة صراع وتنافس بين دول الإقليم للتعامل مع هذه الممرات.
أما المفارقة الثانية فتظهر في مسألة الحياد السياسي الذي يُنظر إليه كنقطة انطلاق لسوريا في المرحلة الحالية. فتجنب الصراعات كخيار سياسي يتناقض مع طبيعة الجغرافيا التي يمكن عبرها ربط الممرات البرية والبحرية. وقد شهدت سوريا أول انقلاب عسكري بعد الاستقلال بسبب خطوط التابلاين، مما يؤكد أن عقدة الطاقة تفرض مساحات جيوسياسية متشابكة. إن مسألة الحياد أو تجنب الصراعات لا تتعلق بآليات تقنية في هذا الأمر، بل بما تفرضه مهمة الربط للممرات في شروط سياسية مختلفة.
إن الدولة التي تقع في قلب تماس بين تركيا والعراق والأردن ولبنان وفلسطين المحتلة، وعلى تماس غير مباشر مع الخليج والبحر الأسود وشرق المتوسط، لا يمكن إعادة صياغة وظيفتها الإقليمية بقرار تقني أو بخطة استثمارية مجردة. فالجغرافيا في الحالة السورية ليست أصلًا ثابتًا يمكن تسييله اقتصاديًا، بل هي عنصر قوة مشروط بميزان السياسة، وبطبيعة النظام الإقليمي، وبالقدرة على حماية خطوط العبور من التحول إلى خطوط ابتزاز.
إن الرهانات على تحويل سوريا إلى منصة لوجستية أو عقدة نقل وطاقة هي جزء من تصور أوسع يتجاوز اللغة الاقتصادية المتداولة. فالموانئ، والسكك الحديدية، وخطوط الربط الكهربائي، وأنابيب الغاز والنفط، لا تعمل داخل فراغ سياسي؛ إنها تستدعي بصورة تلقائية أسئلة سيادية لا تنتمي إلى عالم الاستثمار وحده، بل إلى صلب السيادة وإعادة إنتاج النفوذ.
من منظور إقليمي، ينظر كل طرف إلى الجغرافيا السورية بوصفها امتدادًا لحاجاته الخاصة. فتركيا تراها ممرًا إلى العمق العربي وورقة في توازنات الطاقة والنقل. ويعدها العراق منفذًا محتملًا نحو المتوسط. وتتعامل معها دول الخليج بصفتها جزءًا من شبكة عبور بديلة أو مكملة. في حين تنظر إليها القوى الدولية بوصفها قطعة ضرورية في خرائط الاحتواء والردع وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد. وبين هذه المصالح المتعارضة، لا تكفي سردية الاستفادة المتبادلة لتبديد التناقضات، لأن التنافس على الممرات ليس على الأرباح فقط، بل على النفوذ الذي يتولد منها.
ليست المسألة أن سوريا تملك موقعًا استثنائيًا، إنما في الكيفية التي يعاد بها تعريف هذا الموقع. فهل يتم اختزاله إلى وظيفة اقتصادية محضة تدار وفق منطق السوق والتمويل؟ أم يُفهم باعتباره مدخلًا لإعادة تركيب الدور السوري ضمن إقليم يعاد تشكيله بعنف؟ بين هذين المستويين يتحدد معنى عودة التصور الجغرافي لسوريا، إما بصفته فرصة لالتقاط موقع فاعل، وإما ممرًا مفتوحًا تتنازع عليه القوى الأخرى، في حين تبقى دمشق مجرد نقطة عبور داخل الخرائط.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة