الزي الكردي: رمز الهوية الثقافية المتجذرة وصمود التراث الحي


هذا الخبر بعنوان "الزي الكردي.. موروث ثقافي حيّ يجسّد الهوية ويعكس عمق الانتماء" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع حلول فصل الربيع، تتجدد في الساحات والميادين السورية ألوان الزي الكردي التراثي الزاهية، خاصة خلال احتفالات عيد النوروز. يتجاوز هذا اللباس كونه مجرد ثوب تقليدي ليصبح سردية ثقافية متكاملة، تعكس هوية شعب صمد وحافظ على رموزه عبر تاريخ طويل، رغم ما تعرض له من محاولات طمس وضغوط في مراحل مختلفة.
هوية ثقافية تتجاوز حدود اللباس
يُعد الزي الكردي رمزاً ثقافياً بارزاً يعكس هوية المجتمع الكردي، ويتجلى حضوره بقوة في مناسبات مثل عيد النوروز وغيرها، ليؤكد الانتماء ويحفظ الذاكرة الجمعية الحية. يصفه الناشط الإعلامي محمد سليمان بأنه "هوية ناطقة ومتحف متنقل ووثيقة تاريخية تروي قصة شعب عريق، وجسر يربط الحاضر بالمستقبل". ويؤكد سليمان في حديثه لـ سانا أن الزي الكردي لا يقتصر على جمالياته، بل يحمل دلالات اجتماعية وثقافية عميقة، مما يجعله جزءاً لا يتجزأ من منظومة الهوية.
جذور تاريخية وتفاعل حضاري واسع
يحمل الزي الكردي سمات حضارية ضاربة في القدم، متجذرة في تاريخ بلاد ما بين النهرين، حيث كشفت اللقى الأثرية السومرية عن تنوع في أنماط اللباس يعكس ثراءً حضارياً مبكراً. وقد أسهمت البيئة الجبلية، وفقاً لدراسات أنثروبولوجية للعالم النرويجي فريدريك بارث، في تشكيل خصائصه الوظيفية، من حيث اتساع القصّات وتعدد الطبقات لتلائم طبيعة الحركة والعمل في تلك البيئات.
تداخلت في بنية هذا الزي تأثيرات حضارية متعاقبة من بلاد الرافدين والأناضول والهضبة الإيرانية، بما في ذلك التقاليد الميدية والآشورية والفرثية، التي تظهر ملامحها في بعض الشواهد الأثرية والنقوش القديمة. كما انعكست التأثيرات الفارسية في الأقمشة المزخرفة والألوان الرمزية، ورسخ الموروث الإسلامي أنماط الأزياء الفضفاضة وأغطية الرأس، وصولاً إلى التأثيرات العثمانية التي عززت تنوع التطريز والأحزمة والسراويل الواسعة، لتتشكل منظومة لباس تقليدية متعددة المستويات.
في القرن العشرين، شهد الزي الكردي تحديثاً جزئياً بإدخال أقمشة صناعية وتعديلات عملية، لكنه حافظ على طابعه التراثي ورمزيته الثقافية. وفي هذا السياق، يلفت المهتم بالتراث الكردي أحمد معاذ يعقوب لـ سانا إلى أن الزي الكردي يتميز بالاحتشام والعملية، مما ضمن استمراريته عبر الزمن، ويربطه بسياقات ثقافية ودينية متجذرة في المنطقة.
حضور في الأدب والذاكرة الثقافية
حضر الزي الكردي بقوة في الأدب الكردي كرمز للهوية والانتماء، وارتبط بالقيم الاجتماعية والذاكرة الشعبية. وقد وثّق الباحث جليلى جليل عناصر الثقافة الكردية ومنها الزي، وركزت الباحثة نيفين ريشان غونغور على تفاصيل اللباس النسائي، فيما رأت الباحثة الأمريكية مارغريت كان أن الزي الكردي يجمع بين الجمالية والوظيفية، ويعكس واقعاً اجتماعياً وسياسياً معقداً.
تفاصيل الزي بين الجمال والوظيفة
يوضح محمد سليمان أن الزي النسائي يتألف من "الكرَاس" الطويل، و"دليّنْك" تحته، وفوقهما "الخفتان"، مع إضافات مثل "كوتِك" و"البيشمالك". وتتزين المرأة بحلي ذهبية كـ "الجّلابية" و"الكردني" و"الكوهار"، إضافة إلى الحزام الصوفي "الشوحي" وأغطية الرأس التقليدية.
أما الزي الرجالي فيتكون من "الشال" و"الشابك" والكوفية الصوفية، إضافة إلى وشاح "الشوتك" الذي قد يصل طوله إلى 14 متراً، ويُربط بعقد هندسية ترمز إلى مناطق الوجود الكردي في سوريا والعراق وتركيا وإيران. ويشير سليمان إلى اختلافات مناطقية في تفاصيل الزي دون المساس بجوهره، مع تنوع في الألوان مثل الكحلي والأسود والخاكي والزيتي، وارتباطه بالبيئة المحلية، وتطور المواد المستخدمة بما يواكب متطلبات العصر مع الحفاظ على أصالته.
ويلفت إلى أن تكلفة الزي الرجالي مرتفعة نسبياً، مما يجعله غالباً مرتبطاً بالمناسبات، خاصة عيد النوروز، مع اعتماد بعض القطع على الصناعة اليدوية وأخرى على الإنتاج الآلي. وتُصنع أزياء الأطفال على غرار أزياء الكبار مع تعديل المقاسات.
يتميز الحذاء الكردي الجبلي بكونه مصنوعاً من الجلد والصوف وشعر الماعز، وتستغرق صناعته ما بين شهر وشهر ونصف، ويُعرف بقدرته على مقاومة الظروف الطبيعية القاسية، ولا يعتمد على التفريق بين اليمين واليسار، بل يمكن ارتداؤه في أي جهة، مما يعكس طابعه العملي. أما الأحذية النسائية فتتسم بالبساطة مقارنة بالرجالية.
تنوع محلي يحافظ على الهوية
في عفرين، يوضح الباحث في الفلكلور فتحي شيخو أن الزي الكردي اكتسب خصوصية محلية دون أن يفقد هويته العامة، حيث تنوعت التسميات والملحقات حسب العمر والفئة الاجتماعية. ففي الماضي، كانت النساء المسنات يرتدين الكوفية من اللباد، ثم استُبدلت بشال ملون مع منديل "بارني"، بينما ارتدت الفئات الأصغر الطربوش أو منديل "جيرون" في المناسبات. كما تميزت منطقة جومه بفستان "كروس" المزخرف.
أما اللباس الرجالي في عفرين فشمل قبعات مخروطية، وعباءات من وبر الماعز، وسراويل فضفاضة، مع أحزمة وملحقات تعكس تنوع البيئة الاجتماعية والمهنية، بما في ذلك لباس الرعاة التقليدي.
من لباس يومي إلى رمز للصمود
يؤكد طالب العلوم السياسية محمد حسين أن الزي الكردي كان جزءاً من الحياة اليومية، قبل أن يصبح اليوم أكثر ارتباطاً بالمناسبات، مع استمرار دلالته كرمز للهوية والانتماء. ويرى أنه يمثل حضوراً ثقافياً متجذراً يعبر عن عمق الذاكرة الجمعية. وتوضح طالبة الآثار والمتاحف آيندا عبد الله أن ارتداء الزي الفلكلوري يمثل مسؤولية ثقافية وأمانة تاريخية، كونه وسيلة تعبير صامتة عن الذات، وجسراً يربط الأجيال بالإرث الثقافي المتوارث.
صمود في مواجهة محاولات الطمس
تعرض الزي الكردي خلال فترة النظام البائد لمحاولات تقييد في بعض المناطق، مما حد من ظهوره في الفضاء العام وربطه بالمناسبات القومية. ويشير محمد سليمان إلى أن الكرد في سوريا، ولا سيما في دمشق، واجهوا فترات من التضييق دفعت بعض العائلات إلى إخفاء الزي داخل المنازل، رغم استمرار حضوره كجزء من الهوية. ويؤكد فتحي شيخو أن الزي واللغة الكردية بقيا عنصرين أساسيين في الحفاظ على الهوية، رغم محاولات الاستهداف، مع استمرار انتقالهما بين الأجيال.
مسؤولية الحفاظ على الإرث الثقافي
يُشدد محمد سليمان على أن الحفاظ على الزي الكردي يمثل ضرورة ثقافية، باعتباره أيقونة هوية ورسالة صمود، مؤكداً أن الأجيال الشابة تتحمل مسؤولية نقله وتوثيقه. ويلفت إلى أن الكرد حافظوا على عاداتهم وتقاليدهم رغم التحديات. وينوه إلى أن المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع بخصوص المواطنين السوريين الكرد، يؤكد أن الكرد جزءٌ أصيلٌ من النسيج الوطني السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية تشكّل عنصراً لا يتجزأ من الهوية الوطنية الجامعة، المتعددة والمتكاملة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة