سوريا محور الربط السككي الإقليمي: إحياء خط الحجاز كبديل استراتيجي لممرات بحرية مضطربة


هذا الخبر بعنوان "الربط السككي عبر سوريا.. بديل استراتيجي لممرات بحرية مضطربة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يبدو أن التوترات في مضيق هرمز قد حركت المياه الراكدة، دافعةً دول المنطقة إلى إعادة التفكير بجدية في بدائل استراتيجية للنقل والتجارة. يأتي ذلك في ظل السعي للحد من الاعتماد شبه الكامل على الممرات البحرية الحساسة، حيث عادت مشاريع الربط البري والسككي إلى الواجهة كخيار واقعي قادر على إعادة التوازن إلى حركة التجارة العالمية، ومنح دول المنطقة هامشاً أوسع من الأمان الاقتصادي.
يُعد إحياء خطوط السكك الحديدية التاريخية، وعلى رأسها خط الحجاز، من أبرز هذه المشاريع. كان هذا الخط يوماً شرياناً حيوياً يربط مدن المنطقة من إسطنبول مروراً بحلب ودمشق وصولاً إلى المدينة المنورة. واليوم، يُطرح هذا الخط ضمن رؤية حديثة تتجاوز البعد التاريخي، لتصبح جزءاً من منظومة نقل إقليمية متكاملة تربط الخليج بأوروبا عبر الأراضي السورية.
لا تبدو سوريا بعيدة عن هذه التحولات، بل تمثل حلقة وصل محورية بين دول الخليج وأوروبا وبقية دول العالم عبر مسارات الربط الإقليمي. وقد تحدثت تركيا مؤخراً عن استكمال تأهيل خطوط السكك داخل أراضيها، والتي تربطها مع سوريا والعراق، تمهيداً لاستكمال الربط مع الأردن ودول الخليج.
في هذا الإطار، يوضح الاستشاري الاقتصادي الدكتور زياد عربش، في تصريح خاص لصحيفة "الثورة السورية"، أن مشاريع الربط السككي بين سوريا وتركيا تشكل مصلحة إقليمية ودولية، خاصة في ظل الظروف الراهنة وخطورة الاعتماد على النقل البحري. ويؤكد الدكتور عربش أن خط الحديد الحجازي يحظى بأهمية استراتيجية كونه يشكل بديلاً عن مضيق هرمز في ظل التوترات مع إيران. وبذلك، تصبح تركيا جسراً برياً بين أوروبا والخليج، مما يوفر بديلاً آمناً لممر يمر عبره 20 بالمئة من النفط العالمي.
كما يسهم هذا المشروع في خفض تكلفة صادرات تركيا إلى الخليج بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمئة، وتنويع طرق الإمداد لدول الخليج لتقليل الاعتماد على هرمز، وربط العراق بموانئ تركيا على المتوسط. ويضيف الدكتور عربش أن هذا المشروع يمكّن سوريا من كسر الجمود الاقتصادي واستعادة دورها كمعبر إقليمي، وتحقيق إيرادات من رسوم النقل والخدمات اللوجستية قد تصل إلى مئات الملايين سنوياً، إلى جانب توفير فرص عمل وتسهيل استيراد مواد إعادة الإعمار.
ويشير الدكتور عربش إلى وجود تعاون أولي بين تركيا وسوريا، بينما يمتلك الأردن خطاً جزئياً بين عمان ودرعا. وتبدي السعودية اهتماماً، لكن أولوياتها تتجه حالياً نحو مشاريع أخرى مثل "طريق التنمية العراقي". ويؤكد أن إحياء خط الحجاز التاريخي (إسطنبول – حلب – دمشق – عمان – المدينة) لا يزال مؤجلاً، لافتاً إلى تحديات عدة، أبرزها تدمير أجزاء كبيرة من الخط داخل سوريا، واختلاف مقياس السكك بين تركيا (1435 مم) والخط الحجازي القديم (1050 مم). ويخلص إلى أن التكلفة المعلنة للمشروع، والبالغة 110 ملايين دولار، لا تعكس التكلفة الحقيقية، ولا تشمل إعادة تأهيل كامل الخط حتى الأردن. ويرى أن المشروع طموح لإنشاء "طريق حرير بري" يربط الخليج بأوروبا عبر بلاد الشام، لكنه مرهون بتأمين التمويل اللازم.
يشير خبراء إلى أن سوريا، بموقعها الجغرافي الحيوي الذي يربط بين ثلاث قارات، تشكل محطة رئيسة في شبكات النقل المختلفة براً وبحراً وجواً. ويرى أستاذ الاقتصاد في جامعة إسطنبول التجارية الدكتور سامر الخطيب أن مشاريع ربط السكك الحديدية بين تركيا وسوريا تمثل خطوة استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل خريطة النقل الإقليمي. ويوضح أنها ستسهم في خفض تكاليف الشحن وتقليص زمن نقل البضائع بشكل كبير، مقارنة بالمسارات البحرية التقليدية.
ويضيف الدكتور الخطيب أن هذه المشاريع ستفتح المجال لتعزيز التبادل التجاري بين البلدين، وتسهيل حركة الصادرات والواردات، بما يدعم الاقتصاد السوري في مرحلة إعادة الإعمار، ويمنح الاقتصاد التركي فرصاً إضافية لتعزيز موقعه كمركز لوجستي يربط آسيا بأوروبا. كما يشير إلى أن هذه الخطوط يمكن أن تتحول إلى ممر اقتصادي دولي مهم، في ظل التوجه العالمي نحو تنويع طرق الإمداد والبحث عن بدائل أكثر مرونة للممرات البحرية الحساسة. ويلفت إلى أن ربط تركيا بسوريا يعزز تكامل سلاسل التوريد الإقليمية، ويؤكد أن أهمية هذه المشاريع لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى أبعاد جيوسياسية تعيد لسوريا دورها التاريخي كمعبر بري، وتعزز من موقع تركيا كمحور عبور رئيسي.
وحول أبرز التحديات، يوضح الدكتور الخطيب أن المشروع يتطلب استثمارات كبيرة لتحديث البنية التحتية وربطها بمعايير تشغيل موحدة، إلى جانب إنشاء أطر تنسيقية واتفاقات تشغيل مشتركة لضمان استمرارية وكفاءة الحركة التجارية.
يُذكر في هذا السياق أن وزراء النقل في سوريا والأردن وتركيا وقعوا، في 7 نيسان الجاري، مذكرة تفاهم ثلاثية تهدف إلى تطوير قطاعات النقل وتعزيز الربط اللوجستي بين الدول الثلاث، وذلك ضمن اجتماعات اللجنة الوزارية المشتركة التي استضافتها العاصمة الأردنية عمّان. وسيشمل التعاون، بموجب المذكرة، تعزيز الربط السككي الإقليمي من خلال تشكيل لجنة فنية ثلاثية لمتابعة التنفيذ، إلى جانب تطوير النقل البري والبحري والسككي، وتحسين البنية التحتية، وتسهيل حركة الشحن والركاب، وتبسيط الإجراءات الحدودية.
وأكد وزير النقل السوري يعرب بدر أن مذكرة التفاهم تتضمن "خارطة طريق واضحة تحدد الأنشطة المطلوب تنفيذها على مستوى مؤسسات النقل في الدول الثلاث، ضمن برنامج زمني يمتد لثلاث سنوات"، موضحاً أن هذه الخارطة "تمثل التزاماً عملياً بتحويل الحدود إلى جسور للتنمية والتكامل"، وأن تفعيل ممر الشرق الأوسط عبر هذه الدول سيُحدث تحولاً نوعياً في المشهد الاقتصادي الإقليمي.
من جانبه، صرّح وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو لوكالة "الأناضول" بأن تركيا تخطط لتمديد خط السكك الحديدية داخل أراضيها وصولاً إلى مدينة حلب السورية، في إطار جهود إحياء خط سكة حديد الحجاز التاريخي. وأشار إلى أن المشروع يحتاج إلى نحو 110 ملايين دولار، لافتاً إلى وجود خط حديدي عامل بالفعل بين حلب ودمشق. وأضاف: "سنعمل على إحياء خط السكك الحديدية الممتد من نصيبين جنوب شرقي تركيا إلى القامشلي شمال شرقي سوريا، بما يؤمّن اتصالاً مع كل من سوريا والعراق، وهذه المشاريع مدرجة ضمن جدول أعمالنا".
وأعلن أورال أوغلو انتهاء أعمال التجديد على عدد من خطوط السكك الحديدية، موضحاً أنه "تم استكمال أعمال الصيانة والإصلاح بين قرقاميش ونصيبين بطول 325 كيلومتراً، وكذلك بين ماردين وشنيورت بطول 25 كيلومتراً، بعد توقفها خلال الفترة بين 2011 و2024، حيث أُعيد فتح المسار أمام حركة القطارات". وقال الوزير التركي إن الأعمال المنفذة تعد عملية تجديد شاملة تلبي الاحتياجات المتراكمة لسنوات طويلة، مشيراً إلى أن الخط الحدودي مع سوريا جرى تجهيزه ببنية تحتية وفوقية أكثر متانة، ما سيزيد من قدرة نقل البضائع ويسهم في تعزيز التكامل الإقليمي.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد