حلب في مفترق طرق نقدي: مجلس المدينة يحظر العملة القديمة وشكاوى من ندرة الجديدة تعرقل التحول


هذا الخبر بعنوان "حلب: مجلس المدينة يحظر التعامل بالعملة القديمة.. وشكاوى من عدم توفر “الجديدة”" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خطوة تعكس تسارع التحولات في السياسة النقدية السورية، أعلن مجلس مدينة حلب عن قرار يمنع التعامل بالعملة السورية "القديمة" ضمن مؤسساته، ويقصر جميع عمليات الدفع على العملة "الجديدة" فقط. يأتي هذا القرار في وقت لا تزال فيه العملة القديمة متداولة على نطاق واسع في الأسواق المحلية.
التعميم، الذي صدر بتاريخ 7 نيسان/أبريل 2026 ويحمل توقيع رئيس المجلس المهندس طلال محمود جلال الجابري، يستند إلى توجيهات صادرة عن مصرف سورية المركزي. وينص التعميم على منع "مطلق" لقبض أي مبالغ بالعملة القديمة، مع التحذير من المساءلة القانونية للمخالفين. تشير هذه الخطوة، التي تتبع أشهرًا من التداول المزدوج بين العملتين، إلى انتقال تدريجي من مرحلة التكيّف إلى مرحلة الإلزام، لكنها تضع المؤسسات العامة أمام تحديات واقع نقدي لم يكتمل تحوله بعد.
على الرغم من وضوح التعميم، لا تزال العملة القديمة تحتفظ بحضور قوي في التعاملات اليومية، مما يخلق فجوة واضحة بين الإطار التنظيمي والممارسة الفعلية. في هذا السياق، يعرب بعض السكان عن مخاوفهم من أن يؤدي هذا التباين إلى ظهور أشكال من الوساطة غير الرسمية أمام الدوائر الحكومية، حيث قد يضطر المواطنون إلى استبدال أموالهم بشروط غير مواتية لإتمام معاملاتهم.
في حي الجميلية، أحد المراكز التجارية البارزة في المدينة، يصف صاحب محل صرافة الوضع بأنه "غير متوازن". وأشار لموقع سوريا 24 إلى تدفق يومي كبير للعملة القديمة، قائلاً: "تأتينا مبالغ تتجاوز 300 مليون ليرة يومياً بهدف الاستبدال، وغالباً ما يتم تحويلها إلى الدولار، لكن في المقابل لا توجد مسارات قانونية وحيوية للعملة الجديدة".
يتجلى هذا التفاوت أيضاً في تجربة بعض المواطنين؛ حيث أفاد محمود عبد اللطيف لموقع سوريا 24 بأنه راجع ثلاثة بنوك في حلب للحصول على العملة الجديدة دون جدوى، مما يسلط الضوء على الصعوبات العملية التي تواجه الأفراد في ظل تسارع الإجراءات الرسمية.
في المقابل، يؤكد حاكم مصرف سورية المركزي، عبد القادر الحصرية، أن عملية استبدال العملة تشهد تقدماً "ملحوظاً". ووفقاً لتقديراته، تعادل النسبة الحالية سحب ما يقارب 16.8 تريليون ليرة سورية قديمة من التداول، مقابل طرح نحو 168 مليار ليرة جديدة، في حال تساوت عمليات السحب مع الطرح. ويرجّح الحصرية استكمال العملية خلال نحو ثلاثة أشهر إضافية، أي مع حلول منتصف أو أواخر حزيران/يونيو 2026، إذا استمرت الوتيرة الحالية.
وفي محاولة لتفادي أي اختناقات نقدية، قرر المصرف المركزي تمديد مهلة استبدال العملة القديمة لمدة 60 يوماً إضافية اعتباراً من الأول من نيسان/أبريل، لتشمل الفئات الرئيسية والفرعية من مختلف الإصدارات. ويشدد الحصرية على أن الهدف من هذا التمديد هو "ضمان عملية سلسة ومنتظمة"، نافياً وجود نقص في الكتلة النقدية من العملة الجديدة، مع إقراره بوجود تحديات "طبيعية" في هذه المرحلة الانتقالية.
في قراءة تحليلية للمشهد، يرى الباحث الاقتصادي حيان حبابة أن ما يجري اليوم هو تطور طبيعي لمسار بدأ مع إطلاق العملة الجديدة، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً إلزامياً نحو ترسيخها في التداول اليومي. ويصرح لموقع سوريا 24 بأن "هذه القرارات ضرورية إلى حد كبير، والسبب الرئيسي هو إدخال العملة الجديدة فعلياً في التعامل بين الناس، بعد أن لم يتم تداولها بما يتوافق مع التوقعات".
ويصف حبابة المرحلة السابقة بأنها "مرحلة تزاوج" بين العملات، سواء بين الليرة السورية الجديدة والقديمة، أو بينها وبين عملات أخرى في بعض المناطق، معتبراً أن هذه المرحلة "بدأت تقترب من نهايتها". ويشرح ذلك بقوله: "مرّت المرحلة الأولى، وهي مرحلة تزاوج العملات، وأعتقد أن هذه المرحلة بدأت تنتهي، وهذا القرار هو بداية النهاية لها". ويرى أن الإجراءات الأخيرة، بما فيها منع التعامل بالعملة القديمة في المؤسسات، تشكّل أداة ضغط إيجابية لدفع المواطنين نحو التبديل، قائلاً إن "هذا القرار هو محفّز للمواطن لاستبدال العملة القديمة بالجديدة".
ورداً على شكاوى المواطنين بشأن صعوبة الحصول على العملة الجديدة، ينفي حبابة وجود نقص حقيقي في الكتلة النقدية، مؤكداً أن القنوات الرسمية لا تزال تستوعب عمليات الاستبدال. ويقول: "ليس صحيحاً أن العملة الجديدة غير متوفرة.. البنوك ومراكز الصيرفة المعتمدة تستقبل كل من يريد استبدال العملة، والكميات متوفرة". ويعزو انتشار هذا الانطباع إلى تأثير ما يصفه بـ"اقتصاد الظل"، الذي قد يسعى إلى إبطاء عملية الانتقال، متهماً جهات، لم يسمها، بالعمل على نشر إشاعات بهدف تخويف الناس أو منعهم من استبدال العملة.
لا ينفي حبابة وجود صعوبات في المرحلة الحالية، لكنه يضعها ضمن سياق التحول الطبيعي، سواء من ناحية التكيّف مع القيم الجديدة أو من حيث السلوك النقدي للمجتمع. ويقر حبابة ببعض الصعوبات في عملية التبديل، والتي من بينها: "صعوبة الحساب نسبياً والخوف من التغيير، وهذا أمر مرتبط بطبيعة الإنسان". ومع ذلك، يشدد على أن الاستمرار في التعامل بالعملة القديمة لم يعد خياراً واقعياً، وأن "تبديل العملة أصبح ضرورة، وليس خياراً، وهو في مصلحة المواطن بالدرجة الأولى".
ويفسر حبابة التأخر النسبي في الانتقال الكامل بكون المرحلة السابقة كانت اختباراً لمدى استجابة المجتمع، ويرى أن "مدة الأشهر الثلاثة كانت لاختبار التفاعل، لكن النتيجة كانت عدم جدية كافية، وربما عدم فهم كامل للفوائد". ويضيف أن التمديد لم يحقق النتائج المرجوة، ما دفع الجهات النقدية إلى الانتقال نحو فرض إجراءات أكثر إلزاماً.
ويربط حبابة بطء العملية أيضاً بمصالح بعض الفاعلين في الاقتصاد غير الرسمي، متهماً "المهربين وغاسلي الأموال وتجار المخدرات بوجود مصلحة لهم في بقاء العملة القديمة، والعمل على عرقلة عملية التبديل".
وحول الإطار الزمني، يتوقع حبابة أن لا تستمر هذه المرحلة طويلاً، مشيراً إلى أنها "لن تستمر أكثر من سنة، وربما أقل أو أكثر بقليل"، وأن الأمر مرتبط بـ"تجاوب المجتمع وخطط المصرف المركزي".
على الرغم من أهمية قرار استبدال العملة، تشير معطيات ميدانية إلى وجود تحديات قد تحد من فاعليته على الأرض. من أبرز هذه التحديات محدودية مراكز الاستبدال المعتمدة، وغياب حملات توعوية كافية تشرح أهمية الانتقال إلى العملة الجديدة. كما لا تزال مسألة الثقة تمثل عاملاً حاسماً، إذ لم تحظَ العملة الجديدة بانتشار كافٍ داخل الأوساط الشعبية، ولم تندمج بعد بشكل كامل في مختلف مناحي الحياة اليومية، الأمر الذي ينعكس في صعوبة حصول شريحة من المواطنين عليها.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد