عودة قسرية إلى الخطر: نازحون سوريون من لبنان يواجهون دماراً وألغاماً مميتة في وطنهم


هذا الخبر بعنوان "نازحون من لبنان إلى سوريا.. دون مأوى ويواجهون أخطارًا مميتة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في إطار شراكة إعلامية بين عنب بلدي وDW، تُسلّط هذه المادة الضوء على مأساة السوريين الذين يجدون أنفسهم مجبرين على النزوح مرة أخرى، ولكن هذه المرة من لبنان إلى سوريا. عماد عمر قاشيت، البالغ من العمر 52 عاماً، الذي فرّ من سوريا إلى لبنان قبل أربعة عشر عاماً، اضطر للرحيل مجدداً. يروي قاشيت لـ DW: "عندما دمرت الصواريخ الإسرائيلية منازل بأكملها في حيّي بمدينة صور جنوب لبنان، قررنا أن الوقت قد حان لإنقاذ حياتنا مرة أخرى."
في أوائل مارس/آذار، تصاعدت حدة التوترات في لبنان، لتنجر البلاد إلى صراع أوسع في الشرق الأوسط، بعد أن أطلقت جماعة حزب الله، المدعومة من إيران، صواريخ على إسرائيل، رداً على اغتيال إسرائيل لزعيم إيراني. ورغم توصل الولايات المتحدة إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام بين إسرائيل ولبنان يوم الخميس الماضي، إلا أن أكثر من 227,549 شخصاً كانوا قد عبروا بالفعل نقاط العبور الحدودية الرسمية الثلاث من لبنان إلى سوريا، وذلك وفقاً لأحدث إحصائيات المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة. الغالبية العظمى من هؤلاء العائدين، بنسبة 95 في المائة، كانوا من السوريين، بينما شكل اللبنانيون 5 في المائة فقط.
من جانبها، أعلنت السلطات الصحية اللبنانية أن حصيلة ضحايا الهجمات الإسرائيلية على ميليشيا حزب الله بلغت نحو 2196 قتيلاً. لم تُقدّم الوزارة تفاصيل عن جنسيات القتلى والجرحى، لكن التقديرات تشير إلى أن عدد السوريين بين القتلى والجرحى يتراوح بين 39 و315. وتفيد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن أكثر من مليون لاجئ سوري لا يزالون مسجلين في لبنان، بالإضافة إلى مئات الآلاف غير المسجلين.
تتفاقم الأزمات مع عودة هؤلاء النازحين إلى وطنهم. فعندما عاد قاشيت وعائلته إلى مسقط رأسهم معرة النعمان بالقرب من حلب، وجدوا منزلهم مدمراً بالكامل بسبب الحرب الأهلية السورية، التي لم تنتهِ إلا في ديسمبر/كانون الأول 2024 بعد الإطاحة بالديكتاتور السوري بشار الأسد. يقول قاشيت لـ DW بأسى: "لا توجد منازل للإيجار لأن المدينة بأكملها مدمرة." وهو يقيم حالياً مع شقيقته.
قصة محمد جاسم البروك لا تختلف كثيراً؛ فقد فرّ هو الآخر من الغارات الإسرائيلية في لبنان قبل أسبوعين. يصف البروك لـ DW الازدحام الشديد على المعبر الحدودي الذي استغرق يوماً كاملاً لعبوره. وعند وصوله إلى مدينة القصير قرب حمص، لم يجد من منزل عائلته سوى الأنقاض. اضطر البروك إلى فك خيمته من مخيم اللاجئين في لبنان ونصبها ليعيش فيها الآن، مؤكداً أنه لا ينوي العودة إلى لبنان رغم افتقاره للمأوى.
يؤكد نانار هواش، خبير مجموعة الأزمات الدولية للشؤون السورية، أن "السوريين يعودون لأن لبنان أصبح غير صالح للعيش، وليس لأن سوريا مستعدة لاستقبالهم." ويضيف: "تستطيع الحكومة إدارة الحدود، لكنها لا تملك إجابة لما سيحدث بعد ذلك." مشدداً على أن عودة مئات الآلاف من اللاجئين لا تعكس تحسناً في الأوضاع داخل سوريا.
لا تزال سوريا ترزح تحت وطأة إرث أكثر من عقد من الصراع. فبالرغم من رفع بعض العقوبات وعودة سوريا إلى الساحة الدولية، إلا أن الصدامات الطائفية وعدم الاستقرار السياسي يواصلان تفاقم مشاكل البلاد. تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تكاليف إعادة الإعمار الإجمالية تصل إلى حوالي 216 مليار دولار (200 مليار يورو). كما أن الخدمات الأساسية، مثل التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية، لا تزال محدودة للغاية، والوضع الإنساني كارثي لنحو 26 مليون شخص.
وفقاً للأمم المتحدة، يحتاج حوالي 15.6 مليون سوري إلى مساعدات إنسانية، ويعاني 13.3 مليون سوري من انعدام الأمن الغذائي. وقد كشف تقرير تقييم الأمن الغذائي للأمم المتحدة لعام 2025 عن جفاف حاد ضرب البلاد في العام نفسه، مدمراً 95 في المائة من المحاصيل البعلية التي تعتمد على مياه الأمطار والرطوبة المخزنة في التربة، كالقمح والبقوليات.
تعلق هبة زيادين، الباحثة في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة هيومن رايتس ووتش، لـ DW قائلة: "سوريا كانت تعاني بالفعل من أزمة إنسانية ممتدة قبل هذه الموجة الجديدة من العائدين." وتضيف: "البنية التحتية ببساطة غير موجودة لاستيعاب أعداد كبيرة من الناس، الذين غادر الكثير منهم بلا شيء ويعودون إلى نفس الوضع."
لا تقتصر المشاكل على الدمار ونقص الخدمات؛ فسوريا تُعدّ أيضاً من أكثر دول العالم تلوثاً بمخلفات المتفجرات. توضح زيادين أن "سنوات من القصف الجوي والقتال البري واستخدام الذخائر العنقودية في محافظات عديدة خلّفت مساحات شاسعة مليئة بالذخائر غير المنفجرة والألغام الأرضية والعبوات الناسفة المرتجَلة."
يؤكد إيان أوفرتون، المدير التنفيذي لمنظمة "العمل ضد العنف المسلح" (AOAV) ومقرها المملكة المتحدة، أن "الخطر حقيقي للغاية." وتحذر المنظمة، التي توثق العنف المسلح ضد المدنيين عالمياً، من أن تلوث الذخائر غير المنفجرة ينتشر بشكل خاص في المناطق التي شهدت قتالاً مستمراً وتغيرات في خطوط المواجهة، بما في ذلك أجزاء من الرقة ودير الزور وحلب وإدلب وريف حمص وحماة. ويشير أوفرتون لـ DW إلى أن "هذه هي تحديداً المناطق التي يعود إليها العديد من اللاجئين،" محذراً من أن الأطفال والعائدين غير المعتادين على هذه البيئات الملوثة هم الأكثر عرضة للخطر.
ويوضح أوفرتون مدى خطورة هذه الذخائر قائلاً: "حتى في غياب الأعمال العدائية الفعلية، لا يزال إرث العنف المتفجر يحصد الأرواح ويصيب المدنيين،" مشيراً إلى أن هذا الاتجاه يتفاقم. ففي عام 2024، سجلت منظمة AOAV 238 حادثة انفجار ذخائر غير منفجرة أسفرت عن 508 إصابات، منهم 479 مدنياً. وبحلول عام 2025، ارتفع هذا العدد بشكل حاد إلى 794 حادثة و1537 إصابة، من بينهم 1424 مدنياً. هذا الخطر المميت يمثل قلقاً إضافياً للنازح السوري قاشيت وعائلته، حيث يعبر عن خشيته قائلاً: "لن يتعرف أطفالي على الألغام غير المنفجرة عندما يلعبون في الخارج."
سوريا محلي
سياسة
سوريا محلي
اقتصاد