موسم الجبن البلدي في الحسكة: جودة استثنائية بفضل الأمطار الغزيرة تصطدم بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية


هذا الخبر بعنوان "موسم الجبن البلدي في الحسكة.. جودة أعلى وأسعار تكبح الإقبال" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد أسواق مدينة الحسكة مع حلول فصل الربيع نشاطًا ملحوظًا في تسويق الجبن البلدي، المعروف محليًا باسم "الجبن العربي"، الذي يُعد من أبرز المواسم الغذائية المنتظرة سنويًا. هذا العام، يتميز الموسم بتحسن كبير في جودة المنتج، مدفوعًا بوفرة المراعي الطبيعية بعد هطولات مطرية غزيرة ومبكرة استمرت لأشهر، ما انعكس إيجابًا على إنتاج الحليب ومشتقاته. ومع ذلك، يواجه الموسم تحديًا كبيرًا يتمثل في ارتفاع الأسعار، الأمر الذي قلل من قدرة العديد من الأهالي على شراء كميات كبيرة كما جرت العادة في السنوات الماضية، مكتفين بكميات محدودة للاستهلاك المباشر بدلًا من التخزين.
يمتد موسم إنتاج وتسويق الجبن العربي في محافظة الحسكة عادةً بين شهرين ونصف إلى ثلاثة أشهر، متزامنًا مع ذروة إنتاج الحليب لدى المواشي، وخاصة الأغنام التي تعتمد في غذائها على المراعي الطبيعية. خلال هذه الفترة، تنشط حركة البيع والشراء في الأسواق ومحال الألبان، حيث يقبل السكان على شراء الجبن ومشتقاته لاستهلاكها طازجة أو لتخزينها ضمن ما يُعرف محليًا بـ"المونة". وتُعد منتجات الألبان، من جبن وزبدة وسمن عربي، جزءًا أساسيًا من المطبخ المحلي في الحسكة، وتدخل في إعداد وجبات يومية، فضلًا عن تخزينها لفصل الشتاء، عندما يقلّ الإنتاج وترتفع الأسعار.
تختلف أسعار الجبن بين مناطق المحافظة، حيث أوضح البائع سليم أحمد أن سعر الكيلوجرام من الجبن المملح في مدينة الحسكة يتراوح بين 32 و33 ألف ليرة سورية، بينما يُباع الجبن "الحلو" بنحو 25 ألف ليرة. في المقابل، ترتفع الأسعار في مدينة عامودا، حيث يصل سعر الجبن المملح والمقطع إلى ما بين 40 و45 ألف ليرة للكيلوجرام، في حين يتراوح سعر الجبن الحلو بين 30 و35 ألف ليرة. وأشار أحمد إلى أن هذا الارتفاع في الأسعار أثر سلبًا على حجم الإقبال، الذي بات محدودًا مقارنة بالأعوام السابقة، موضحًا أن بعض الأهالي يكتفون بشراء كيلوين أو ثلاثة "للتذوق" فقط، بدلًا من شراء كميات كبيرة للتخزين.
يُرجع العاملون في القطاع تحسّن جودة الجبن هذا العام إلى وفرة الأعشاب الطبيعية، التي تشكّل الغذاء الأساسي للمواشي، خاصة الأغنام. ويؤكد سليم أحمد أن المنتجات المصنوعة من حليب الضأن الذي يرعى في البراري تُعدّ الأغلى سعرًا والأكثر طلبًا، نظرًا لجودتها العالية ونكهتها المميزة. وتُعتبر نوعية الحليب العامل الأساسي في تحديد جودة وسعر الجبن، حيث تتصدر منتجات حليب الضأن قائمة الأسعار، تليها منتجات الماعز، ثم الأبقار.
من جهتها، تشرح وضحة الخلف، وهي سيدة من ريف الحسكة الغربي، آلية صناعة الجبن التقليدية، مشيرة إلى أنها تتم يدويًا بالكامل. وتبدأ العملية بوضع الحليب الفاتر في أوعية مخصصة، ثم تضاف إليه مادة "التجبين"، وبعد بدء التفاعل يُنقل إلى قطعة قماش شفافة لتصفية الماء الزائد واستكمال عملية التجبّن. وأضافت أن الناتج النهائي يوضع في أوعية ليباع للتجار، موضحةً أن كل كيلوجرامين من الحليب ينتجان نحو كيلوجرام واحد من الجبن، وهي نسبة تعتمد على نوع الحليب وجودته.
بدوره، قال علي العواد، وهو من مربي الماشية في ريف الحسكة، إنه يقوم بجمع الأجبان من المربين في المنطقة، ثم ينقلها إلى المدينة لبيعها مباشرةً لأصحاب المحال. وأشار إلى أن الأسعار الحالية "مقبولة نوعًا ما"، وتتيح هامش ربح جيدًا للمربين، رغم ارتفاع تكاليف التربية والإنتاج. ويُعد هذا النمط من التسويق شائعًا في المنطقة، حيث تعتمد الأسواق على الإنتاج المحلي بشكل أساسي، دون وجود سلاسل تصنيع كبيرة أو مصانع متخصصة.
أوضح البائع عبد القادر سالم أن الجبن يصنف من حيث الشكل إلى نوعين رئيسيين: الجبن العادي، وهو كامل الدسم، والجبن "المشلل" الذي يأتي على شكل ضفائر، ويكون منزوع الدسم. ويختلف الطلب على كل نوع بحسب الاستخدام، إذ يفضل البعض الجبن العادي للطعم الغني، بينما يُستخدم المشلل في وصفات محددة. وأضاف عبد القادر أن "بيوت المونة" المنتشرة في مدن الحسكة توفر الجبن جاهزًا، بأسعار تصل إلى نحو 50 ألف ليرة للكيلوجرام، وهو خيار تلجأ إليه بعض العائلات، خاصة مع تراجع القدرة على تحضير المونة في المنزل.
تعكس آراء الأهالي تحولات واضحة في نمط الاستهلاك، حيث تقول رفعة العيد إن مشتقات الألبان كانت تشكّل عنصرًا أساسيًا على مائدة الطعام في السابق، لكنها تراجعت بشكل ملحوظ نتيجة الغلاء. وتوضح أن العائلات كانت تحرص على شراء كميات كبيرة من الجبن في الربيع، لاستهلاكها طازجة وتخزينها، إلا أن هذا السلوك تغيّر في السنوات الأخيرة. وتشرح العيد طريقة تخزين الجبن، التي تبدأ بتقطيعه إلى مكعبات وتغطيته بالملح الصخري لتجفيفه، ثم حفظه في أوعية مملوءة بالماء المالح ومحكمة الإغلاق، لضمان بقائه صالحًا لفترات طويلة. من جانبه، أشار عارف الحجي إلى أن العائلات كانت في سنوات ما قبل الحرب تخزّن كميات كبيرة من الجبن والسمن العربي في أوعية معدنية تُعرف بـ"التنك"، بسعات تصل إلى 16 كيلوجرامًا، إلا أن هذه الكميات تقلصت بشكل كبير حاليًا، بسبب ارتفاع الأسعار وزيادة الأعباء المعيشية.
يعكس موسم الجبن في الحسكة هذا العام مفارقة واضحة، إذ يترافق تحسن جودة الإنتاج مع تراجع القدرة الشرائية للسكان، ما يحد من الاستفادة الكاملة من هذا التحسن. وبينما يستفيد المربون نسبيًا من ارتفاع الأسعار، يواجه المستهلكون صعوبات في الحفاظ على عاداتهم الغذائية التقليدية، وعلى رأسها تخزين "المونة" لفصل الشتاء. ومع استمرار التحديات الاقتصادية، يبقى مستقبل هذا الموسم مرتبطًا بقدرة الأسواق على تحقيق توازن بين جودة المنتج وأسعاره، بما يضمن استمرارية هذا التقليد الغذائي المتجذر في ثقافة المنطقة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي