لعنة الحروب المتوسطة: هل يتجنب ترامب مصير فيتنام وأفغانستان في مواجهة إيران؟


هذا الخبر بعنوان "لعنة” الحروب المتوسطة… تطارد ترامب؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يصف المحاضر المتميز في جامعة تكساس بأوستين، روبرت كابلان، ما يسميه "لعنة" تطارد الدول الديمقراطية. حاول كابلان الشهر الماضي إعادة صياغة استنتاج المؤرخ العسكري جيمس ستوكسبري حول نقطة ضعف هذه الدول، وهي أنها تواجه "مشاكل حقيقية في محاولة خوض حرب متوسطة الحجم". ويأتي ذلك على عكس قوتها في الحروب الصغيرة، مثل غرينادا وبنما في الثمانينات، أو في الحربين العالميتين الأولى والثانية. تندرج ضمن الحروب متوسطة الحجم كل من فيتنام وأفغانستان والعراق، وربما إيران.
تكمن مشكلة هذا النوع من الحروب في تصميمه، إذ لا تخطط أي قيادة سياسية أو عسكرية لحرب متوسطة الحجم في الأساس. لذا، يبدأ هذا النوع كحرب خاطفة قبل أن ينتهي تدريجياً إلى حرب غير قابلة للإدارة، ناهيكم عن الانتصار فيها. يمكن التفكير أيضاً بالحرب الروسية على أوكرانيا كمثال معاصر، فما بدأ "عملية عسكرية خاصة" تحوّل إلى حرب استنزاف بلا أفق. ربما يتبقى حل وحيد أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لكسب الحرب، وهو إعلان التعبئة العامة، لكن هذا الحل شبه مستحيل. فعندما أعلنت روسيا تعبئة جزئية في خريف 2022، خسرت نحو مليون شاب بسبب الهجرة. فكيف سيكون الحال بالنسبة لتعبئة عامة، قد لا تتمتع في الأصل باحتمالات انتصار حقيقية وسط ميدان يشهد تحولات تكنولوجية سريعة؟
بالرغم من كل تقلباته، يبقى نفور الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الحروب ثابتاً. فبالنسبة إليه، هي مجرد أداة لإجبار الخصم على إبرام صفقات. بهذا المعنى، ترامب هو كلاوزفيتزي بامتياز، حتى ولو لم يقرأه، حيث يرى أن "الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى". باستثناء أن تلك الوسائل قد ترتد سلباً على صاحبها، فما يهدف نظرياً إلى تعزيز النفوذ الدبلوماسي قد ينتهي عند إضعافه. والأسوأ أنه حين تتعاظم فكرة الحرب في تفكير الرئيس أو المحيطين به، تصبح أصوات المشككين، بمن فيهم أشد الجنرالات خبرة، أصواتاً أضعف تأثيراً.
في عام 1961، حذّر الجنرال "الصقر" دوغلاس ماك آرثر الرئيس الأسبق جون كينيدي من خوض حرب برية في فيتنام. وعندما أخبره كينيدي أن الكونغرس يضغط عليه لفعل ذلك، أجاب ماك آرثر: "على كل شخص يريد نشر قوات برية في آسيا أن يتفحّص عقله". للتذكير، كان هذا الكلام صادراً عن جنرال أراد خلال الحرب الكورية قصف المدن الصينية، بما في ذلك وبشكل محتمل بالقنابل النووية، بعد تدخل الصين في تلك الحرب. تسبب ذلك التصعيد، إضافة إلى تحديه العلني للرئيس الأميركي، بإقالته من منصبه. قد يبدو الحديثان متناقضين، لكن ماك آرثر ناصر التصعيد في البداية لأنه سبق أن نشرت واشنطن قوات برية في شبه الجزيرة الكورية. علاوة على ذلك، لا شك في أن ماك آرثر قد تعلم بعض الاستنتاجات الإضافية من الحرب السابقة.
وفي عام 1965، حضّ وزير الدفاع روبرت ماكنمارا الرئيس ليندون جونسون على تعبئة الاحتياط وإعلان حال الطوارئ لتصعيد النزاع في فيتنام. بالمقابل، طلب مساعد وزير الخارجية جورج بول أن يعلن الرئيس "انسحاباً تكتيكياً" لأن المجندين لم يكونوا ملائمين لقتال الأدغال، ولأن الولايات المتحدة ستُهزم في الأخير. لكن الموقف التدخلي انتصر في نهاية المطاف.
حتى الآن، يبدو ترامب مستوعباً لتلك الدروس، ولو بشكل حدسي. من جهة، تضاءلت التقارير عن إمكانية إصداره أوامر لإنزال بري على جزيرة خارك الإيرانية. فشعار ماك آرثر "لا تَخُضْ حرباً برياً في آسيا" صامد في ذهن الرئيس الأميركي. أبعد من ذلك، ثمة مؤشرات إلى أن ترامب راضٍ بمواصلة الحصار البحري ضد إيران، أو بعبارة أخرى، مواصلة "ملحمة الغضب الاقتصادية" ضدها. لا يعني هذا الاحتمال خفض الأكلاف البشرية وحسب، بل أيضاً خفض احتمال توسع الحرب ضد إيران إلى "حرب متوسطة الحجم". هذا من دون ذكر منافع الحصار المحتملة التي قد تستنزف القدرات الإيرانية بوتيرة أكبر من الاستنزاف العسكري. من يدري، إذا تمتع بما يكفي من الصبر، فربما يتجاوز ترامب "اللعنة" التي أصابت أميركا غير مرة، ليس بأقل الأضرار الممكنة وحسب، بل حتى بانتزاع مكاسب قد تكون تاريخية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة