حفرة التضامن تنطق: اعتقال أمجد يوسف يفتح جراح الذاكرة السورية


هذا الخبر بعنوان "حين تنطق الحفرة، ويصمت الجلاد" نشر أولاً على موقع شبكة فلسطينيو سورية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: أ. خليل صمادي
في ربيع عام 2013، شهد حي التضامن جنوبي دمشق حفرةً في الأرض، لم تكن مجرد حفرة عادية، بل قدر لها أن تصبح شاهداً صامتاً على فظاعة لا تُنسى. هناك، حيث تكدس المدنيون العزل، رجالاً ونساءً، بعضهم معصوب العينين ومقيد اليدين، انطلقت الرصاصات الواحدة تلو الأخرى، وكأنها تعد أنفاس الضحايا بدلاً من أن تنهيها. سقط واحد وأربعون إنساناً، وربما أكثر، في تلك الحفرة، فوق بعضهم بعضاً، ثم أُشعلت فيهم النيران، ليختلط لحمهم بالتراب وذاكرتهم بالرماد. كان اسم المكان "التضامن"، وكم هي قاسية المفارقة بين الاسم وما ارتكب فيه من أفعال.
بعد سنوات، ظهر في فيديو هز ضمير العالم رجل بملامح عادية، رجل كان يمكن أن يكون جاراً أو معلماً أو أباً يحمل ابنه. لكنه كان أمجد يوسف، عنصر الفرع 227 في المخابرات العسكرية السورية، الذي أطلق النار ببرودة لا يعرفها إلا من استُبدلت روحه بشيء آخر. كان ينادي على الضحايا بأسماء مستعارة ليأتوا إلى حتفهم، ثم يقتلهم كمن يطفئ شمعة. المذهل أنه لم يكن في ساحة معركة، ولم يكن مدفوعاً برصاصة قادمة؛ بل كان يختار ضحاياه. وبين كل طلقة وأخرى، كان هناك متسع للتردد، لكنه لم يتردد.
يقول الناس إن العدالة تأتي متأخرة، ونحن في سوريا نعرف أنها أحياناً تأتي بعد أن يكون أهل الضحية قد شابوا، وبعد أن تكون الأمهات قد حفظن ملامح أبنائهن عن ظهر قلب خوفاً من النسيان. لكنها حين تأتي، حتى متأخرة، تُعيد للموتى شيئاً من كرامتهم المسروقة، وتُعيد للأحياء قدرتهم على النوم. إن إلقاء القبض على مجرم كأمجد يوسف — حيثما وقع، وكيفما جرى — ليس مجرد خبر قضائي يُنشر في نشرات الأخبار. إنه لحظة تقف فيها الحفرة في التضامن لتقول: "رأيتُ كلَّ شيء، وها أنا أنطق." إنه رسالة لكل جلاد ظن أن الفوضى ملاذه الأبدي، وأن الزمن سيبتلع جريمته كما ابتلع التراب أجساد ضحاياه: لا. الزمن لا يبتلع. الزمن يحفظ. الزمن يُخزّن الصور، ويُراكم الشهادات، ويُصبِر العدالة حتى تنضج.
نكتب لتلك الأم التي لا تعرف حتى الآن أين دُفن ابنها. نكتب لذلك الأب الذي يحتفظ بصورة قديمة في محفظته، يُخرجها كلما ضاق صدره. نكتب للطفل الذي كبر يتيماً لا يعرف كيف كانت ضحكة أبيه. نكتب لأولئك الذين في الحفرة، الذين لم يُشيّعهم أحد، ولم يُقرأ على أرواحهم شيء، ولم يبكِ عليهم إلا سماء دمشق. ونكتب أيضاً لأنفسنا، حتى لا نُصاب بذلك المرض الخبيث الذي يُسمّى التطبيع مع الفظاعة. حتى لا تمرّ المجزرة علينا وكأنها رقم في إحصاء، أو عنوان في صحيفة، أو "تريند" عابر.
في حي التضامن، رُدمت الحفرة بالإسمنت ربما، وبُنيت فوقها أحياء وحياة. لكن في ضمير الإنسانية، تلك الحفرة لا تُردم أبداً. هي جرح مفتوح في جسد التاريخ، لا يُغلقه إلا أن يقف كل جلاد أمام قاضيه، وأن يُعيد كل ميت اسمه من بين الرماد، وأن تعرف كل أم أين تضع وردة في عيد الأم. أمجد يوسف ليس استثناءً. هو وجه من آلاف الوجوه. لكن اعتقال وجه واحد منهم هو بداية لقصة طويلة اسمها: لن ننسى، ولن نسمح بأن يُنسى. وحده الذي يتذكر… يستحق أن يُسمّى إنساناً.
سياسة
اقتصاد
سياسة
سياسة