الجزيرة السورية: حكايات صمود وتعايش أعادت بناء حياة الأرمن


هذا الخبر بعنوان "كيف أعادت الجزيرة السورية تشكيل حياة الأرمن" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مدن وبلدات محافظة الحسكة، تتجاوز الحكايات مجرد سرد لماضٍ مؤلم، لتصبح جزءًا حيويًا من ذاكرة جماعية أعادت صياغة العلاقات بين مختلف مكونات المنطقة. هذه الذاكرة تجمع بشكل خاص الأرمن والعرب والكرد، الذين التقوا في منعطف تاريخي حاسم، ليؤسسوا معًا نموذجًا فريدًا من التعايش. يستعرض صالح الخلف وعلاء الدين حسين، وهما من أحفاد الأرمن الذين استقروا في المنطقة منذ أكثر من قرن، روايات عائلية متوارثة. هذه الروايات لا تقتصر على تفاصيل المعاناة، بل تسلط الضوء بشكل أكبر على لحظات النجاة والدعم الذي حظي به أجدادهم فور وصولهم إلى مناطق الجزيرة السورية. يؤكد صالح الخلف، في تصريح لـ عنب بلدي، أن ما ترسخ في ذاكرة العائلة لم يكن فقط أحداث الرحلة الشاقة، بل ما تلاها بعد الوصول إلى مدن المنطقة، حيث "بدأت الحكاية الحقيقية للحياة من جديد"، على حد تعبيره.
صالح الخلف يروي كيف وصل والده إلى المنطقة طفلًا صغيرًا مع عائلته بعد رحلة مضنية. النقطة الفاصلة في مسار حياتهم كانت استقبال أحد الفلاحين العرب لهم في ريف عامودا، حيث قدم لهم المأوى وفرص العمل رغم قسوة ظروفه المعيشية. يوضح الخلف أن هذا الفلاح لم يكن حالة فردية، بل كان يمثل "سلوكًا مجتمعيًا سائدًا في المنطقة، حيث فتحت عائلات عربية وكردية أبوابها للأرمن". ويضيف أن العديد من الأطفال الأرمن ترعرعوا ضمن هذه العائلات، واكتسبوا لغاتها وعاداتها. من جانبه، يؤكد علاء الدين حسين أن القصص التي سمعها من جدته شددت على هذه الأبعاد الإنسانية، مبينًا أن "النجاة لم تكن إنجازًا فرديًا، بل ثمرة تضامن جماعي من قبل سكان المنطقة". ويشير إلى أن عائلته، شأنها شأن عائلات أرمنية أخرى، وجدت في الجزيرة السورية بيئة مواتية لإعادة بناء حياتها تدريجيًا، بعيدًا عن الفوضى التي عمت مناطق أخرى.
تتجاوز هذه الروايات البعد الإنساني لتكشف عن نمط فريد من العلاقات الاجتماعية التي ترسخت في الجزيرة السورية، حيث اضطلعت العشائر العربية والمجتمعات الكردية بدور محوري في استيعاب القادمين الجدد. يوضح الباحث الاجتماعي أحمد السالم أن "ما شهدته الجزيرة السورية يمكن اعتباره نموذجًا رائدًا لإعادة بناء المجتمعات في أعقاب الأزمات، إذ لم يُنظر إلى الأرمن كغرباء، بل كجزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي الناشئ". ويضيف السالم أن هذا الاحتضان "لم ينبع من مبادرات حكومية رسمية، بل استند إلى منظومة قيم اجتماعية تقليدية متجذرة، كإغاثة الملهوف وحماية الضيف". ويرى أن هذه القيم كانت حاسمة في التخفيف من وطأة الصدمات التي تعرض لها الأرمن. كما تطورت العلاقات التي نشأت حينها "مع مرور الزمن إلى شراكات اجتماعية واقتصادية، تجلت في المصاهرة والعمل المشترك، مما أسهم في ترسيخ دعائم الاستقرار".
في الوقت الراهن، يبادر أبناء المجتمع الأرمني في المنطقة إلى تنظيم لقاءات دورية مع وجهاء العشائر العربية والكردية، بهدف التأكيد على عمق ومتانة هذه الروابط التاريخية. يوضح صالح الخلف أن هذه اللقاءات "لا تكتفي بالجانب الرمزي، بل تحمل في طياتها رسالة تقدير واعتراف بالدور المحوري الذي أدته تلك العائلات في حماية الأرمن". ويضيف أن هذه المبادرات تساهم بفعالية في نقل هذه الرواية إلى الأجيال الصاعدة، "ولكن بصبغة تركز على قيم التضامن والتعاون، لا على الألم وحده". ولا يزال العديد من العائلات يحتفظ بعلاقات وثيقة مع أحفاد من استضافوا أجدادهم، مما يبرهن على استمرارية هذا الترابط الأصيل.
وفقًا للباحث أحمد السالم، فإن الطابع المتعدد الإثنيات لـ الجزيرة السورية قد أسهم في تشكيل بيئة مرنة قادرة على احتضان التنوع. ويشير إلى أن "وجود العرب والكرد والسريان وغيرهم ضمن رقعة جغرافية واحدة، أوجد نوعًا من التوازن الاجتماعي، حيث اعتادت المجتمعات المحلية على التعايش مع الاختلاف". ويضيف السالم أن الأرمن، عند وصولهم، "لم يجدوا أنفسهم في فراغ اجتماعي، بل في بيئة تمتلك خبرة سابقة في إدارة التنوع"، الأمر الذي يسّر عملية اندماجهم.
في يومنا هذا، يعيش الأرمن في مدن الحسكة والقامشلي والمناطق المحيطة بهما، مندمجين ضمن مجتمع متعدد الأوجه، ويشاركون بفاعلية في الحياة العامة. يؤكد علاء الدين حسين أن "الهوية الأرمنية لم تتصادم مع الانتماء العميق للمنطقة"، لافتًا إلى أن أبناء مجتمعه يتقنون اللغتين العربية والكردية. ويضيف أن هذا التعدد "تحول إلى مصدر قوة حقيقية، بدلًا من أن يكون تحديًا"، خصوصًا مع استمرار العلاقات الاجتماعية المتينة بين المكونات المختلفة.
يعتقد صالح الخلف أن السمة الأبرز لتجربة الأرمن في الجزيرة السورية تكمن في قدرتهم على تحويل مرحلة تاريخية عصيبة إلى انطلاقة جديدة، بفضل الدعم الذي تلقوه من المجتمعات المحلية. ويصرح صالح بأن "الرسالة التي نسعى لإيصالها اليوم هي أن التعايش أمر ممكن، حتى في أحلك الظروف"، مشددًا على أن العلاقة بين الأرمن والعرب والكرد "لم تُؤسس على المصالح فحسب، بل على روابط إنسانية عميقة". من جانبه، يؤكد الباحث أحمد السالم أن "التركيز على روايات الاحتضان والتكافل، بدلًا من الاقتصار على سرد الألم، يسهم في بناء سردية إيجابية يمكن أن تستفيد منها مجتمعات أخرى تواجه تحديات مماثلة". ويضيف أن هذه التجربة "تُبرهن على قدرة المجتمعات المحلية على الاضطلاع بدور محوري في إعادة بناء الحياة، شريطة توفر قيم التضامن والانفتاح لديها".
خلال الحرب العالمية الأولى، تعرض الأرمن لأحداث جسيمة شملت التهجير القسري وفقدان أعداد هائلة من الأرواح، مما خلف بصمة عميقة في الذاكرة الجماعية للأرمن داخل الجزيرة السورية وخارجها. بمرور الوقت، تطورت هذه الأحداث لتصبح قضية تاريخية وسياسية محط نقاش دولي واسع. تعترف العديد من الدول والبرلمانات حول العالم بهذه الأحداث بوصفها "إبادة جماعية"، ومن بينها فرنسا وألمانيا وكندا وروسيا، بالإضافة إلى الاعتراف الرسمي من الولايات المتحدة في عام 2021، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية ودول أمريكا اللاتينية. في المقابل، لا تزال دول أخرى تتحفظ على استخدام هذا الوصف، وتتعامل مع الملف ضمن سياق تاريخي مغاير. يختتم الباحث أحمد السالم حديثه بالتأكيد على أن تجربة الأرمن في الجزيرة السورية تظل مثالًا حيًا على قدرة المجتمعات المحلية على تجاوز تداعيات الماضي، من خلال بناء علاقات راسخة على أسس التضامن والتعايش، وهي تجربة مستمرة في رسم ملامح الحاضر، وتمهد الطريق لمستقبل أكثر استقرارًا.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي