حديقة النيربين بدمشق: إغلاق رسمي لا يقطع صلة الناس بتاريخها ومياهها


هذا الخبر بعنوان "النيربين.. الحديقة التي لم تغب رغم الإغلاق" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على الرغم من إغلاقها الرسمي منذ تشرين الأول الماضي، لا تزال حديقة النيربين في حي المهاجرين بدمشق تحتفظ بصلتها الوثيقة بسكانها. فالأبواب الأربعة موصدة بإحكام، والسور الحديدي يحيط بالمكان كحد فاصل، إلا أن ذلك لم يمنع المارة والأطفال من إيجاد طرق غير مباشرة للدخول عبر فتحات ضيقة أو القفز فوق الحواجز، بحثاً عن مساحة للعب أو للحصول على مياه عين الفيجة التي تنبع داخلها.
تاريخ النيربين يمتد أبعد بكثير من كونها حديقة عامة. ففي طبقاتها الأقدم، كانت تلة تطل على بساتين دمشق، وتحتضن معالم تاريخية كدير مرّان وقصر خمارويه. يذكر ياقوت الحموي في كتابه "معجم البلدان" أن الدير كان مبنياً من الجص ومبلطاً بالأرض ومحاطاً بالأشجار، ويحتوي على "صور دقيقة المعاني". وتشير مصادر أخرى، منها كتاب "خطط دمشق" لصلاح الدين المنجد، إلى أن أراضي النيربين كانت تمتد من قبة السيار غرب جبل قاسيون وصولاً إلى الربوة والصالحية والجسر الأبيض، في مساحة أوسع بكثير من حدود الحديقة الحالية. لعب نهر بردى دوراً محورياً في تشكيل هذه المنطقة، حيث كانت تتفرع مياهه لتشكل "النيرب الفوقاني" و"النيرب التحتاني". ويعود اسم "النيرب" إلى أصل آرامي يعني "الوادي"، وهي دلالة بقيت ملازمة للمكان.
حتى أواخر القرن التاسع عشر، ظلت المنطقة المحيطة بالنيربين شبه خالية من العمران، باستثناء بيت الداغستاني قرب "طلعة الباش كاتب"، وفقاً للدكتور صفوح خير في كتابه "مدينة دمشق.. دراسة في جغرافية المدن". بدأ هذا الواقع يتغير مع تشكل حي المهاجرين أواخر العهد العثماني، عندما استقر فيه أتراك وشركس فروا من الحرب الروسية التركية، بموافقة والي دمشق ناظم باشا. وفي عام 1898، زار الإمبراطور الألماني غليوم الثاني تلة النيربين، حيث أُعدت له مصطبة حجرية تأمل منها الموقع، ما رسخ مكانتها كنقطة جذب وإطلالة مميزة على المدينة.
مع مطلع القرن العشرين، بدأت النيربين تتحول من تلة إلى فسحة للناس. وصلت سكة الترامواي إلى الساحة أسفل التلة عام 1904، والتي عُرفت لاحقاً باسم "ساحة آخر الخط". وشُيد قصر ناظم باشا، ثم قصر مصطفى باشا العابد عام 1907، وأُطلق اسم شارع خورشيد على الطريق الذي يحد الحديقة من الأعلى، نسبة إلى المهندس المصري خورشيد وهبة. ورغم هذا التطور العمراني، بقيت النيربين لعقود مساحة خضراء هامشية، قبل أن تتحول في منتصف القرن العشرين إلى مقصد للأهالي الباحثين عن متنفس بسيط. يستذكر محمد أبو الخير الدقر، مختار حي المهاجرين البالغ من العمر 71 عاماً، تلك المرحلة قائلاً: "لما سكنا هون عام 1961 كان مكان الحديقة خرابة، وجزء منه كان مقهى، الناس كانت تعمل سيرانها هون".
في سبعينيات القرن الماضي، تغيرت ملامح المكان أكثر مع وصول مشاريع البنية التحتية والمياه، وتراجع البساتين المحيطة بها. يصف المختار هذه المرحلة بأنها نقطة تحول أساسية، مشيراً إلى حفر خزان الفيجة في الجبل. ومع نهاية الثمانينيات، بدأت التلة تفقد شكلها القديم تدريجياً، حيث يتذكر مثنى الخطيب، الذي كان في العاشرة من عمره آنذاك، صب الباطون فيها على شكل مدرجات وبناء البحرات. بهذه الأعمال، تحولت النيربين من تلة مفتوحة إلى حديقة عامة منظمة، افتتحت أمام الزوار في مطلع التسعينيات. تحولت المياه التي كانت تروي البساتين إلى شلالات تنحدر عبر المدرجات، وصار المكان متنفساً لأهالي الحي وزواره. تستعيد نور، إحدى رواد الحديقة، ذكرياتها قائلة: "كنا نطلع كل خميس، لما نضوج بالبيت، نجيب معنا فلافل وبرتقال ونقعد بالساعات هناك".
بعد عام 2011، ومع انطلاق الثورة السورية، بدأت علاقة الناس بحديقة النيربين تتغير. تحولت تدريجياً إلى مساحة أقل أماناً وأقل حضوراً في الحياة اليومية. أُنشئت خمس غرف صغيرة على المدرجات، اثنتان منها للحراسة، بينما أُغلقت الثلاث الأخرى. وبحسب سكان الحي، ارتبط وجود هذه الغرف بسيطرة أمنية وعسكرية أبعدت الكثيرين عن الحديقة. يقول حسين، أحد سكان الجبل: "كانت الحديقة تحت سيطرة الحرس الجمهوري بالكامل، ومفاتيح الغرف لديهم وحدهم". ويعتقد مختار الحي محمد أبو الخير الدقر أن هذه الغرف ارتبطت في أذهان السكان باستخدامات مشبوهة، ما دفع الأهالي إلى الابتعاد تدريجياً.
تقف الحديقة اليوم بين درجين يرمزان إلى حالتها المتناقضة: درج مهمل تتراكم عليه الأوساخ، ودرج آخر يعرفه الأهالي بـ "درج الخير" أو "درج النيربين"، والذي أعاد شباب الحي تسميته قبل سنوات بـ "درج الأمل" بعد طلائه بزخارف زرقاء. منذ إغلاق الحديقة في تشرين الأول الماضي، إثر حادثة طعن أدت إلى وفاة أحد الشبان، لم يعد الدخول إليها يتم إلا عبر فتحات ضيقة في السور. النيربين، التي كانت متنزهاً عاماً، أصبحت مكاناً معلقاً بين الحضور والغياب، موجودة في قلب الحي لكن أبوابها مغلقة. يخشى كثير من السكان أن يعاد افتتاحها يوماً بشكل مختلف، كمشروع مأجور أو مساحة تجارية مستثمرة، ما يمثل خسارة لمساحة كانت متاحة للناس بلا مقابل، ومكاناً عاماً يمكن دخوله دون شروط أو دفع مال، وهو أمر نادر في دمشق اليوم.
أُنتج هذا التقرير ضمن ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MICT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي