سوق دمشق للعملات والذهب: مبادرة المصرف المركزي لضبط سعر الصرف بين الآمال وتحديات السوق الموازية


هذا الخبر بعنوان "هل تنجح سوق دمشق الالكترونية في ضبط سعر الصرف.. أم تعيد إنتاج السوق الموازية؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تقرير لـ سراب علي، أعلن حاكم مصرف سورية المركزي عن إطلاق "سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب"، في خطوة تهدف إلى تطوير آليات تسعير الصرف والانتقال نحو بيئة أكثر ديناميكية تعتمد على العرض والطلب اللحظي. ورغم الطابع التقني المتقدم لهذه المبادرة، فإنها تثير جملة من التساؤلات الجوهرية حول قدرتها على عكس قوى السوق الحقيقية في ظل القيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال والعقوبات الاقتصادية، ومدى فعاليتها في منع التلاعب بالأسعار من قبل الفاعلين الكبار، وهل تستطيع هذه الآلية وحدها إنهاء دور السوق الموازية دون توفر الثقة والسيولة، أم أنها مجرد مرحلة انتقالية تتطلب اختباراً تدريجياً قبل الوصول إلى التشغيل الكامل.
أوضح الدكتور حسن حزوري، الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة حلب، في تصريح لـ"الحرية"، أن ما يميز السوق الجديدة عن أدوات التدخل السابقة يكمن في طبيعتها كمنصة إلكترونية مركزية توحّد مرجعية التسعير وفق آلية العرض والطلب بشكل لحظي، مع توفير بيانات أكثر شفافية وتحديثات مستمرة. وبيّن أن الفارق الجوهري مقارنة بالمرحلة السابقة يتمثل في الانتقال من نموذج التدخل الإداري الذي اعتمد على نشرات رسمية وأسعار صرف ثابتة أو مُدارة، وتمويل المستوردات، ومزادات محدودة، إلى محاولة تبني آلية سوقية. يسعى المصرف المركزي بذلك إلى التحول من "تحديد السعر" إلى "إدارة منصة لاكتشافه"، مؤكداً أن هذا التحول لا يرقى إلى التعويم الكامل بل يظل أقرب إلى سوق منظمة تعمل تحت إشراف الدولة.
في معرض إجابته عن مدى قدرة المنصة على عكس قوى العرض والطلب بدقة في ظل القيود الراهنة، أوضح الدكتور حزوري أن المسألة تنطوي على قدر كبير من الحساسية. فبينما يُفترض نظرياً أن تعكس المنصات الإلكترونية توازنات السوق بشكل مباشر، يفرض الواقع السوري معوقات جوهرية، منها العقوبات المالية، وضعف قنوات التحويل الخارجية الرسمية، والقيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال، إضافة إلى محدودية احتياطي العملات الأجنبية. ونتيجة لذلك، لا يظهر العرض الحقيقي للعملات بالكامل ضمن المنصة، ما يجعل السعر المتشكل أقرب إلى السعر الفعلي مقارنة بالتسعير الإداري السابق، دون أن يبلغ مستوى السعر الحر بشكل كامل، وهو ما يفضي إلى حالة يمكن توصيفها بـ"سوق مزدوجة داخل منصة واحدة".
وأشار إلى أن نجاح هذه المنصة يتطلب توافر ثلاث طبقات متكاملة من الحماية:
ومع ذلك، يبقى التحدي الأبرز، وفق الباحث، في محدودية عدد المشاركين، إذ إن اقتصار التداول على عدد ضيق من المصارف أو الشركات يرفع من احتمالات التلاعب، حتى في ظل وجود بنية تقنية متطورة.
ولفت حزوري إلى أن السوق السوداء ليست مشكلة تقنية، بل مشكلة ثقة وهيكل اقتصادي. والشروط الضرورية لنجاح المنصة هي ثقة المواطن (عدم تبدل القواعد فجأة)، وتوفر الدولار فعلياً، بالإضافة إلى الحرية النسبية في السحب والتحويل، واستقرار سياسي وأمني، وكذلك سياسة نقدية منضبطة (عدم تمويل العجز بالطباعة). مشيراً إلى أنه إذا غاب أحد هذه العناصر، ستبقى السوق السوداء كـ"سوق موازية مرجعية".
أما عن أثرها المتوقع على سعر الصرف والتضخم، فبيّن الباحث الاقتصادي أن هناك سيناريو طويل الأجل قد يشهد تصحيحاً صعودياً للسعر (تدهور الليرة)، لأن السعر سيقترب من السعر الحقيقي بدلاً من الرسمي. وفي السيناريو المتوسط، إذا زادت الشفافية والسيولة، وتحقق استقرار نسبي وانخفضت التقلبات، فإن ذلك سينعكس بالبداية على التضخم المستورد بارتفاع الأسعار، ولاحقاً إذا استقر السعر يهدأ التضخم، وإذا بقيت الفجوة يستمر التضخم.
أشار الباحث الاقتصادي إلى تجارب دولية مشابهة، حيث يوجد نمطان مهمان: منصات رسمية في اقتصادات مضطربة. ففي مصر (2016–2024) كانت هناك مزادات للدولار ثم انتقال لمنصات تداول بين البنوك. وفي نيجيريا، أُطلقت منصة NAFEX لتوحيد أسعار الصرف. أما في إيران، فيوجد نظام "نيما" (NIMA) لتخصيص العملات الأجنبية. والقاسم المشترك، كما أوضح حزوري، هو محاولة تقليص السوق السوداء، وتوحيد الأسعار، وإدارة ندرة الدولار، وهذا ينتج عنه عادةً نجاح جزئي فقط، واستمرار السوق الموازية إذا بقيت القيود.
ختم حزوري بالقول إن المنصة قد "تكشف التضخم" أكثر مما تخلقه، وإن مراحل ما قبل التشغيل حاسمة جداً. أي سوق كهذه تمر عادةً بـ:
كما نوه حزوري إلى أنه بدون مرحلة تجريبية، فإن مخاطر الانهيار أو التلاعب في البداية عالية جداً، لافتاً إلى أن هذه الخطوة متقدمة تقنياً ومفهومياً مقارنة بالسياسات السابقة، لكنها ليست حلاً سحرياً. ونجاحها يعتمد على الاقتصاد الحقيقي، أي على القطاعات الإنتاجية والمادية كالزراعة والصناعة والبناء والتشييد، وليس على المنصة فقط.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد