العدالة الانتقالية في سوريا: صكوك غفران سياسية وإفلات من العقاب يهدد المستقبل


هذا الخبر بعنوان "صكوك الغفران.. الإصدار السوري!" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ سقوط نظام الأسد، تزايد الحديث في الخطابين الرسمي والعام عن العدالة الانتقالية كأحد الركائز الأساسية للمرحلة الجديدة. ومع ذلك، فإن الواقع على الأرض، كما يرى غزوان قرنفل، يشير إلى غياب مسار جاد لتحقيقها، بل يوحى بسياسة مقلقة تهدف إلى تمييع هذا الاستحقاق وتحويله إلى مجرد شعار أجوف. فبدلاً من أن تكون العدالة الانتقالية مدخلاً لمساءلة مرتكبي الجرائم وإنصاف الضحايا، يتم التعامل معها وكأنها عبء يجب التخلص منه بأقل قدر ممكن من الإزعاج، حتى لو كان الثمن هو منح العديد من رموز الإجرام وداعميه ما يشبه صكوك الغفران.
إن العدالة الانتقالية، في جوهرها، ليست ترفاً سياسياً أو بنداً يمكن تجاوزه في أجندة السلطة الجديدة، بل هي شرط أساسي لبناء دولة القانون واستعادة الثقة بين المجتمع والدولة. فالمجتمعات التي خرجت من صراعات أو أنظمة استبدادية لم تتمكن من الانتقال إلى الاستقرار إلا عندما واجهت ماضيها بصدق، وكشفت الحقيقة، وحاسبت المسؤولين عن الجرائم، وأنصفت الضحايا. أما القفز فوق هذا الاستحقاق أو الالتفاف عليه بإجراءات ترقيعية، فإنه لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الظلم بأشكال جديدة.
في الحالة السورية، تبدو المشكلة أكثر تعقيداً وخطورة. فالجرائم المرتكبة خلال سنوات الصراع ليست عادية يمكن طي صفحتها بسهولة؛ نحن نتحدث عن مئات الآلاف من القتلى والمعتقلين والمغيبين قسراً، وعن مدن دُمرت بالكامل، وعن انتهاكات موثقة على نطاق واسع. ورغم كل ذلك، يظهر ميل واضح في الخطاب والممارسة نحو إغلاق ملف المساءلة أو إفراغه من مضمونه، عبر إدخال الضحايا وذويهم في متاهات إجرائية وقانونية طويلة. ومن بين هذه المتاهات، الزعم بأن تحريك الدعوى القضائية يتطلب ادعاءات شخصية من الضحايا أو ذويهم، وكأن الجرائم المرتكبة هي مجرد نزاعات فردية بين أشخاص، وليست جرائم جسيمة ارتكبت بحق المجتمع كله.
في المقابل، تقضي القوانين بأن النيابة العامة هي الجهة المنوط بها تحريك الادعاء العام في الجرائم الكبرى، وخاصة تلك التي تمس الأمن المجتمعي العام أو تنطوي على جرائم ضد الإنسانية. أي أن تحريك الدعوى لا ينبغي أن يكون مشروطاً بقدرة الضحايا على تقديم شكاوى فردية أو توفير الأدلة. والأكثر غرابة أن هذا الطرح يأتي في وقت تتوفر فيه كميات هائلة من الأدلة والوثائق، حيث جُمعت خلال السنوات الماضية ملايين الوثائق التي تدين أجهزة نظام الأسد ورموزه، سواء تلك التي عُثر عليها في المقار الأمنية أو سُرّبت منها، أو تلك التي وثقتها منظمات حقوقية سورية ودولية وتم إيداع نسخ عنها لدى الآلية الدولية المحايدة والمستقلة التابعة للأمم المتحدة بموجب مذكرات تعاون بينها وبين المنظمات الحقوقية السورية.
إن الملف السوري، من حيث حجم التوثيق وحرفيته، يُعد واحداً من أكثر الملفات توثيقاً في تاريخ النزاعات المعاصرة. وإذا كانت العدالة لا تتحرك رغم كل هذا الكم من الأدلة، فإن المشكلة لا تكمن في نقص المعلومات بل في غياب إرادة المساءلة.
إن أخطر ما في سياسة تمييع العدالة الانتقالية هو الرسالة التي تبعثها إلى المجتمع وذوي الضحايا والناجين: أن من ارتكبوا الجرائم أو دعموا مرتكبيها يحصلون على مواقع جديدة أو يُعاد دمجهم في الحياة العامة دون مساءلة. فإن ذلك يعني عملياً منحهم نوعاً من العفو الضمني، أو ما يشبه صكوك الغفران السياسية. وهذه الرسالة لا تمثل فقط خذلاناً للضحايا، بل تمثل أيضاً تشجيعاً ضمنياً على الإفلات من العقاب.
لا يمكن لأي مجتمع أن يبني مستقبلاً مستقراً على أساس إنكار الماضي أو تجاهل العدالة. فالجرح الذي لا يُعالَج يبقى مفتوحاً، والظلم الذي لا يُحاسَب مرتكبوه يتحول مع الزمن إلى مصدر دائم للتوتر والانقسام. لهذا، فإن العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمات، بل هي عملية شاملة تهدف إلى كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وضمان عدم تكرار الجرائم. أما تحويلها إلى مسار بيروقراطي معقد، أو استخدامها كغطاء لسياسات التسوية مع الجناة، فإنه يعني ببساطة إفراغها من مضمونها. حينها تصبح العدالة مجرد شعار وتتحول المساءلة إلى استثناء نادر، ويجد المجتمع نفسه أمام واقع خطير: نظام جديد يعيد إنتاج واحدة من أسوأ سمات النظام القديم، وهي الإفلات من العقاب.
إن السوريين الذين دفعوا أثماناً باهظة خلال السنوات الماضية لا يطالبون بالمستحيل. فالعدالة هي الضمانة للسلم الأهلي ولاستقرار المجتمع ولضمان عدم التكرار. والمصالحة الحقيقية لا يمكن أن تقوم على النسيان القسري، أو على عقد تسويات مقابل المال ومنح صكوك الغفران للجناة، بل على الاعتراف بالجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها، والاعتراف بفشل المؤسسات ومعرفة كيفية إصلاحها. من دون ذلك، ستبقى العدالة الانتقالية في سوريا مجرد عنوان جميل بلا مضمون، وسيبقى الخوف قائماً من أن يتحول الحلم بدولة القانون إلى فصل جديد من فصول الخيبة السورية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة