مغالطة التطور: هل تعكس الإنجازات الفردية تقدم الدول؟ إيران نموذجاً


هذا الخبر بعنوان "هل صحيح أن إيران دولة متطورة؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
غالباً ما تدفع العاطفة الجياشة صاحبها إلى الانبهار، مما يحد من قدرته على فهم الأمور بموضوعية، وهو ما ينطبق عليه قول الإمام الشافعي: "وعين الرضا عن كل عيب كليلة". يمكن توسيع هذا المفهوم من نطاق الحب الشخصي إلى التعلق بنظام سياسي معين. فكثيراً ما نصادف من يؤكد أن إيران دولة متقدمة، مستدلاً بوجود مراكز أبحاثها ومنشآتها النووية ومراكز إنتاج الأسلحة الصاروخية.
أتذكر أن صديقي الراحل، عبد القادر عبدللي، قام في عام 1987 بترجمة مجموعة قصصية للأديب التركي عزيز نيسين، وقد ساعدته في صياغتها باللغة العربية. بعد إنجازها، أرسلنا إحدى قصصها للنشر في مجلة "لوتس"، التي يصدرها اتحاد كتّاب آسيا وإفريقيا، وكان مدير تحريرها الشاعر والروائي السوري عادل محمود. تحمس محمود لطباعة المجموعة وكتب رسالة إلى عزيز نيسين يستأذنه بنشرها ويطلب منه كتابة مقدمة للطبعة العربية. استجاب نيسين وأرسل المقدمة لعبد القادر، الذي ترجمها. في تلك المقدمة، قرأت عبارة ما زالت تدهشني وتدفعني للتأمل حتى الآن. كتب نيسين: "قد يظهر، في دولة ما، عالم فيزياء لامع وكبير، ولكن هذا لا يعني أن علم الفيزياء متطور في هذه الدولة. وإذا ظهر عالم اجتماع كبير، في دولة أخرى، هذا لا يشير إلى تطور علم الاجتماع في تلك الدولة".
منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، أطبق هذا المعيار على ما أسمعه من أخبار أو أشاهده من فيديوهات. فأحمد زويل، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، مصري، ودولته متأخرة جداً في الفيزياء. والعالم المصري الكبير فاروق باز، الذي شارك في رحلة "ناسا" إلى القمر سنة 1971، مصري أيضاً. يذكر باز، في إحدى مقابلاته المتلفزة، أن وزارة التعليم المصرية عينته، عندما جاء إليها حاملاً شهادة عليا في الجيولوجيا، بصفة مدرس في مدرسة إعدادية، فلم يقبل، وكاد أن يذهب إلى السجن لهذا السبب. وخلال مشاركته في الرحلة الفضائية، تبين أنه هو الذي اختار للوكالة موقع هبوط المركبة على القمر، وفيما بعد، أطلقت الوكالة على كويكب اكتشفته اسم "BAZ" تكريماً له. هذا يدل على أن أمريكا متطورة في علوم الفضاء، بينما مصر متخلفة.
الأنظمة السياسية الخليجية، على الرغم من ثرائها، ليست متطورة، فهي تستورد كل شيء تقريباً. ونجاحها الكبير في التصدي للصواريخ الإيرانية لا يعني أن صناعة أنظمة الدفاع الجوي فيها متطورة. وإذا عدنا إلى حديثنا عن إيران، يمكن أن نستعيد مبدأ عزيز نيسين، وهو أن التطور يجب أن يكون شاملاً ومتكاملاً. سنجد أن النظام الإيراني، منذ تأسيسه سنة 1979، وهو يصرف المليارات في سبيل التوسع وامتلاك أسلحة الردع، ولكنه، على أرض الواقع، متخلف. يعتمد هذا النظام تشكيلة من الحكام، أبرزهم المرشد الأعلى بصفة دينية لا تعترف بأي قانون وضعي، ومنظمة عسكرية اسمها "الحرس الثوري"، ومجموعة ميليشيات مسلحة رديفة، مع وجود تركيبة دستورية برلمانية رئاسية هي الأقل تأثيراً ونفوذاً. وهو نظام يعادي المرأة والحريات العامة، وكل ما صرفه على الأذرع التي بناها في منطقتنا جرى تدميره. ولقد صدق ابن خلدون عندما قال: "الطغاة يجلبون الغزاة".
سياسة
سياسة
سياسة
اقتصاد