الانسحاب الأمريكي من سوريا: تساؤلات حول مصير القواعد الروسية ودورها الإقليمي


هذا الخبر بعنوان "عقب الانسحاب الأمريكي من سوريا.. ما هو مستقبل القواعد الروسية؟" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يمثل انسحاب الولايات المتحدة من قواعدها العسكرية في سوريا لحظة محورية، حيث يثير تساؤلات أوسع حول مستقبل الوجود العسكري الأجنبي في البلاد وإلى متى يمكن أن يستمر في ظل الديناميكيات الإقليمية والدولية المتسارعة. ووفقاً لتقرير صحافي نشره موقع أمريكي اليوم، فإن هذا الانسحاب يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تتجه سوريا نحو إعادة تشكيل أوسع للنفوذ الخارجي، أم أن هذا القرار الأمريكي استثناء لن يشمل قوى أخرى، وعلى رأسها روسيا؟
يُنظر إلى الانسحاب الأمريكي، الذي أنهى وجوداً بدأ عام 2014 في إطار الحرب ضد تنظيم "داعش"، في الأوساط الاستراتيجية كجزء من تحول أوسع في نهج واشنطن. يتمثل هذا التحول في تقليص التدخل العسكري المباشر في النزاعات الدولية والاعتماد بدلاً من ذلك على أدوات سياسية وعسكرية أقل تكلفة. أوضح المحلل العسكري حسام درويش لموقع "ذا ميديا لاين" أن "الولايات المتحدة لم تعد ترى في الوجود العسكري طويل الأمد وسيلة فعالة لتحقيق أهدافها، وهو ما ينعكس في قرارات مماثلة عبر جبهات متعددة". وأشار درويش إلى أن هذا التحول يضع نموذج القواعد العسكرية الأجنبية في سوريا تحت مجهر التدقيق في بيئة معقدة تتشكل بفعل مصالح إقليمية ودولية متداخلة.
دخلت الولايات المتحدة سوريا عام 2014 بشن غارات جوية استهدفت مواقع تنظيم "داعش" في الرقة ودير الزور ومناطق أخرى، دون تنسيق مباشر مع الحكومة السورية السابقة. جاء ذلك عقب توسع التنظيم وسيطرته على أجزاء واسعة من شمال وشرق سوريا. لاحقاً، تطور الوجود الأمريكي ليشمل عدداً محدوداً من القوات الخاصة على الأرض لتقديم الدعم والمساعدة الاستشارية والتنسيق مع القوات المحلية، وعلى رأسها قوات سوريا الديمقراطية "قسد". كما أنشأت واشنطن قواعد ومواقع عسكرية صغيرة في شمال شرق سوريا لدعم العمليات الجوية والبرية، معتمدة استراتيجية تقوم على مزيج من القوة الجوية والشراكة مع القوات المحلية بدلاً من الانتشار البري واسع النطاق.
تعد روسيا أيضاً لاعباً رئيسياً في سوريا، ولها قواعد عسكرية كبيرة. دخلت روسيا الصراع في 30 أيلول/سبتمبر 2015، بناءً على طلب الحكومة السورية بقيادة بشار الأسد، مع تصاعد حدة القتال وفقدان الدولة السيطرة على مناطق واسعة لصالح فصائل المعارضة. اعتمد التدخل الروسي بشكل أساسي على القوة الجوية، حيث شنّ حملات قصف مكثفة من قاعدة حميميم الجوية، إلى جانب نشر مستشارين عسكريين ووحدات محدودة من القوات الخاصة وأنظمة دفاع جوي متطورة. كما اعتمدت روسيا على عناصر من مجموعة "فاغنر"، التي لا تعتبر جزءاً من قواتها المسلحة النظامية. وقد ساهم هذا التدخل في تغيير ميزان القوى العسكرية لصالح الحكومة السورية من خلال دعم استعادة المدن الرئيسية والمناطق الاستراتيجية، وتعزيز الوجود الإقليمي لموسكو قبل انهيار النظام السوري في نهاية عام 2024.
ومنذ ذلك الحين، اعتمدت روسيا على شبكة محدودة ولكنها ذات أهمية استراتيجية من القواعد العسكرية، تتركز بشكل أساسي على طول الساحل السوري. من أبرز هذه القواعد قاعدة حميميم الجوية قرب اللاذقية، التي كانت بمثابة المركز الرئيسي للعمليات الجوية، حيث انطلقت منها الطائرات المقاتلة والقاذفات في معظم الغارات الجوية، كما تضم أنظمة دفاع جوي متطورة، بالإضافة إلى مرافق القيادة والدعم اللوجستي. وتمثل قاعدة طرطوس البحرية الركيزة الثانية للوجود الروسي، فهي المنشأة البحرية الوحيدة لموسكو في البحر الأبيض المتوسط، وتوفر خدمات الإمداد والصيانة، وتمنح روسيا منفذاً بحرياً دائماً خارج حدودها. إضافة إلى ذلك، حافظت روسيا على وجود أقل تمركزاً في مطارات عسكرية مثل الشعيرات وتياس “التيفور - T4"، فضلاً عن انتشار محدود في مناطق تشمل حلب ودير الزور، قبل أن تنسحب تدريجياً من معظم هذه المواقع بعد انهيار النظام السوري السابق.
في الأشهر الأخيرة، ظهرت مؤشرات على تقليص الوجود الروسي في الداخل لصالح تعزيز انتشاره الساحلي، مما يشير إلى إعادة تموضع تكتيكي يهدف إلى خفض التكاليف مع الحفاظ على المصالح الاستراتيجية. وتعتبر القواعد الساحلية "خطاً أحمر" بالنسبة لموسكو، كونها بوابتها إلى البحر الأبيض المتوسط ومواقعها الاستراتيجية الحيوية.
كشف المحلل السياسي السوري والخبير في الشؤون الروسية، محمد حمزة، لموقع "ذا ميديا لاين" بأن "روسيا تتجه نحو تقليص انتشارها الواسع لصالح نموذج أكثر تركيزاً في مواقع استراتيجية رئيسية". وأضاف حمزة أن "القواعد الساحلية ستظل خطاً أحمر لأنها بوابة موسكو إلى البحر الأبيض المتوسط، لكن وجودها في الداخل قد يُعاد النظر فيه". ويشير الباحث أمجد سعيد إلى أن مستقبل هذا الانتشار يعتمد على "مسار الحرب في أوكرانيا، ومستوى الضغط الدولي، وطبيعة العلاقات المستقبلية مع دمشق".
على الصعيد الداخلي في سوريا، لا يزال وجود القواعد العسكرية الأجنبية من أكثر القضايا حساسية، لارتباطها الوثيق بمسائل السيادة. تقول الناشطة السياسية السورية كنانة الكردي، إن القيادة السورية قد تتجه نحو "إعادة هيكلة علاقاتها العسكرية بما يسمح بتقليص تدريجي للوجود الأجنبي دون مواجهة مباشرة مع الشركاء"، مضيفة أن "هذه القضية لا يمكن حلها بقرارات أحادية الجانب، بل من خلال تفاهمات شاملة".
يذهب مصدر دبلوماسي، طلب عدم الكشف عن هويته، إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن "دمشق قد تستخدم قضية القواعد العسكرية كورقة ضغط للحصول على دعم اقتصادي أو سياسي، لا سيما خلال مرحلة إعادة الإعمار". ومن الناحية القانونية، يوضح الخبير محمود حمام أن الاتفاقيات العسكرية مع روسيا "ليست جامدة، ويمكن إعادة التفاوض بشأنها إذا تغيرت الظروف السياسية". وهذا يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات، بما في ذلك التعديل، أو التخفيض الجزئي، أو الإنهاء الكامل.
في سياق أوسع، لا يمكن فصل مستقبل القواعد الأجنبية في سوريا عن التطورات الدولية الأوسع. فالحرب في أوكرانيا لا تزال تستنزف الموارد الروسية، بينما تسعى القوى الغربية إلى الحد من نفوذ موسكو في الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، تراقب تركيا ودول إقليمية أخرى التطورات عن كثب لما لها من تداعيات أمنية مباشرة.
منذ التغيرات السياسية الكبرى في سوريا عام 2024، بما في ذلك انتقال السلطة وتراجع بعض مراكز القوى، اتجهت موسكو نحو تقليص وجودها البري والتركيز على القواعد الساحلية، في تحول يبدو نحو دور أكثر محدودية يقتصر على الدعم اللوجستي والتدريبي بدلاً من الانتشار العسكري الواسع.
سوريا محلي
سياسة
سياسة
سياسة