لقاءات نيقوسيا تكشف تحولاً أوروبياً: سوريا في قلب معادلات شرق المتوسط الجديدة


هذا الخبر بعنوان "لقاءات نيقوسيا وصورة شرقي المتوسط" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يقدم الاجتماع الأوروبي الذي استضافته نيقوسيا، والذي قدمه مازن بلال، تصوراً مغايراً لواقع منطقة شرق المتوسط. ففي ظل تداعيات الحرب الأمريكية على إيران، أصبح الأمن الإقليمي الهش موزّعاً على مساحة دولية واسعة، لا يمكن فصلها عن قضايا الطاقة والممرات البحرية والهجرة والحدود السورية المفتوحة على احتمالات متعددة. وعلى الرغم من وصف لقاءات نيقوسيا بأنها "غير رسمية"، إلا أنها تكشف عن هاجس أوروبي عميق تجاه إقليم يصعب المناورة فيه دون المخاطرة بزعزعة استقراره الداخلي.
عملياً، تأتي هذه اللقاءات الأوروبية خارج السياق الدولي المعتاد، وتبرز طبيعة التوتر القائم بين أوروبا والولايات المتحدة، نتيجة للخلافات حول إدارة الحرب وتداعياتها. لكنها تطرح مسألتين جوهريتين: الأولى، أن أوروبا لم تعد تنظر إلى شرق المتوسط كمجرد هامش جغرافي، بل كخط دفاع اقتصادي وأمني مباشر، خاصة مع الارتفاع المتزايد في تكلفة الطاقة والبحث عن مسارات بديلة تتجاوز نقاط الممرات البحرية التقليدية، مثل مضيق هرمز.
المسألة الثانية، هي عودة سوريا إلى صلب الحسابات الإقليمية، ليس فقط كملف إنساني أو أمني، بل كعقدة جغرافية حيوية تربط بين الخليج والعراق وتركيا ولبنان والمتوسط. فأي نقاش حول ممرات الطاقة، أو ضبط الحدود، أو إعادة الوصل الاقتصادي بين الشرق والغرب، يمر حتماً عبر البحث عن دور سوري محتمل ضمن المعادلات الجديدة.
لقد أظهر الاجتماع الأوروبي في نيقوسيا محاولة لإعادة رسم صورة المنطقة بعد اهتزاز المعادلات القديمة. فبينما تسعى واشنطن لإدارة الأزمة بمنطق القوة، تبحث أوروبا عن هندسة استقرار أقل كلفة. وفي هذا الفراغ، تتحول سوريا إلى اختبار لقدرة الأوروبيين على الانتقال من سياسة العقوبات والانتظار إلى سياسة الانخراط المشروط، دون تقديم شيك سياسي مفتوح لأي طرف.
تبدأ الأهمية السورية في هذه الخريطة المعقدة من استعادة دورها الجغرافي. فالدولة المنهكة بالحرب ما زالت تمتلك ما تحتاجه أوروبا من موقع "محتمل" في شبكات النقل والطاقة وإعادة الإعمار وربط المشرق بالمتوسط. وأي مقاربة أوروبية لشرق المتوسط ستظل ناقصة ما لم تتعامل مع سوريا بوصفها جزءاً من الحل، لا مجرد أثر جانبي للأزمة.
إن تحويل سوريا إلى ممر إقليمي لا يمكن أن يتم فوق أنقاض السياسة. فالطرق لا تحميها الخرائط وحدها، بل التفاهمات الداخلية والضمانات الإقليمية. وأي اندفاع نحو توظيف الجغرافيا السورية اقتصادياً دون معالجة ملفات السيادة، والحوكمة، وعودة اللاجئين، والمعتقلين، وإعادة بناء المؤسسات، سيفاقم من وضع الأزمة بصيغة جديدة.
تبحث المقاربة الحالية للمرحلة في طبيعة العودة السورية وحدودها وشروطها. فدمشق، التي كانت في السابق محور توازنات دقيقة، تقف اليوم، وفق التصورات الأوروبية، أمام تحدٍ في إعادة تعريف موقعها السياسي، بما يضمن أن تكون شريكاً لا عبئاً، وعقدة وصل لا نقطة تصدع. وهذا يتطلب بالضرورة مقاربة تتجاوز الأدوات التقليدية، وتفتح الباب أمام تسويات تدريجية تعيد بناء الثقة، وتؤسس لاستقرار قابل للحياة، لا مجرد هدنة مؤقتة في صراع مفتوح.
سياسة
اقتصاد
سوريا محلي
سياسة