مصرف سورية المركزي يكسر صمته: الليرة الجديدة في اختبار حقيقي لملاحقة السوق الموازية


هذا الخبر بعنوان "المركزي يكسر “الصمت النقدي”.. هل بدأت رحلة الليرة الجديدة للحاق بالسوق السوداء؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
محمد راكان مصطفى
في خطوة مفاجئة، كسر مصرف سورية المركزي حاجز الصمت النقدي الذي استمر لأشهر، وذلك للمرة الأولى منذ إطلاق الإصدار النقدي الجديد وحذف الأصفار. أجرى المصرف تعديلاً سعرياً أعاد خلط أوراق التوقعات الاقتصادية، مثيراً تساؤلات جوهرية حول فلسفة إدارة سعر الصرف في المرحلة المقبلة، ومدى قدرة الليرة بصيغتها الجديدة على الصمود أمام ضغوط الفجوة السعرية المتسعة مع السوق الموازية. هذا التحرك يستدعي تحليلاً أكاديمياً ومهنياً لاستيضاح دلالات هذا الرفع وتوقيته الحرج.
الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أوضح لـ"الوطن" أن سياسة سعر الصرف تمثل العمود الفقري لأي برنامج نقدي. واعتبر أن انتقال المصرف المركزي من التثبيت الإداري إلى مرونة مدارة يعد اختباراً حقيقياً لمصداقية الإصلاح النقدي الذي بدأ مطلع العام. وأشار إلى أن الليرة السورية الجديدة تشهد تحولاً دقيقاً، حيث بدأ المركزي تدريجياً بتضييق الفجوة مع السوق الموازية عبر تعديل النشرة الرسمية بهامش سعري يصل إلى 15%، ورفع مفاجئ بنسبة 2.26% دفعة واحدة. هذا السلوك يعكس ملامح التعديل الوقائي الذي يسبق عادةً اعتماد آلية أقرب إلى ملاحقة السوق.
وفيما إذا كان المركزي قد انتقل فعلياً من مرحلة الدفاع عن سعر صرف محدد إلى مرحلة ملاحقة سعر السوق، يرى الدكتور محمد أن هذا التحول يحدث إلى حد كبير. وأوضح أن الدفاع عن سعر محدد كان يتطلب سابقاً تدخلاً مستمراً بالاحتياطيات أو فرض قيود مشددة. أما اليوم، فإن رفع السعر الرسمي بمقدار 250 ليرة دفعة واحدة، واعتماد هامش تحرك سعري بنسبة 15%، هما مؤشران واضحان على تحول السياسة نحو استهداف سعر السوق بصورة غير معلنة، مع إبقاء "يد على العصا" لتجنب حدوث حالات ذعر في الأسواق. وشدد على أن ما نراه ليس تعويماً كاملاً، بل هو تعويم مُدار بمرونة أكبر من ذي قبل.
فيما يتعلق بدلالات الرفع بمقدار 250 ليرة دفعة واحدة، يصفها الأستاذ الجامعي بأنها رسالة اعتراف واضحة بضغوط العرض والطلب. فالتوقيت وقيمة الرفع، على الرغم من أنها لا تزال أقل من فجوة السوق الفعلية، ترسمان رسالة مزدوجة تتجلى في استفاقة مراقبة، توحي بأن المركزي لم يعد متجاهلاً تسارع السوق السوداء. كما تتضمن اعترافاً غير مباشر بوجود ضغوط حقيقية للعرض والطلب، وهو الأمر الذي كان ينفيه الخطاب الرسمي سابقاً. ومع ذلك، يرى محمد أن الرفع يبقى أقل من اللازم لامتصاص الفجوة السعرية كاملة، ما يجعلها رسالة تهدئة أكثر منها حلاً جذرياً للمشكلة.
بالانتقال إلى الجانب الأكاديمي البحت، يحذر أستاذ المصارف من أن استمرار الفجوة مع السوق الموازية عند مستويات 17% لا يخدم سياسة التعويم المدار، بل يؤدي إلى نتائج عكسية خطيرة. أولها تعميق اقتصاد الظل من خلال تشجيع الاحتفاظ بالعملة الصعبة خارج القنوات الرسمية، وثانيها إجهاض محاولات جذب الحوالات التي يفضل أصحابها السوق الموازية لتعويض الفارق السعري، وصولاً إلى إضعاف فعالية العملة الجديدة وتحويلها إلى مجرد أداة لتسجيل أرقام تضخمية أكبر.
ويوضح الدكتور محمد أن الحد الحرج لهذه الفجوة، حسب الأدبيات الاقتصادية لبلدان ما بعد التضخم، يتراوح بين 10 إلى 12%. وتجاوز هذا المستوى يدفع الوكلاء الاقتصاديين إلى التخلص من العملة المحلية أو التعامل بأسرع وسيلة لتجنب الخسارة، لتتحول العملة الجديدة حينها إلى وحدة حساب تضخمية فقط، لا وعاء قادراً على الادخار. ويرى أن سورية اليوم تجاوزت هذا الحد بوضوح ببلوغها 17%، ما ينذر بفشل سياسة التعويم المدار إذا لم يتم تضييق الفجوة إلى أقل من 10% خلال الأشهر القليلة القادمة.
في قراءته الختامية، يصف أستاذ التمويل خطوة المصرف المركزي بأنها إيجابية لكنها غير كافية. فالرفع المفاجئ بهامش 2.26% واعتماد نطاق حركة 15% يعيدان بعض المصداقية المفقودة، لكن بقاء الفجوة الواسعة يعني أن العملة الجديدة لا تزال محاصرة بين منطق التوجيه الإداري ومنطق السوق. وللخروج من هذا المأزق، يقترح الأكاديمي الاقتصادي ضرورة خفض الفجوة إلى أقل من 10% عبر تعديلات أسرع وأكثر تكراراً، مع رفع سعر الفائدة على الودائع بالليرة الجديدة لتحفيز المواطنين على الاحتفاظ بها، بالإضافة إلى التخلي التدريجي عن الهامش السعري الواسع لصالح آلية مزاد دوري يحدد السعر بواقعية وبكل شفافية.
ويؤكد الدكتور محمد أنه من دون هذه الإجراءات، ستظل الليرة الجديدة أداة تضخمية لا أكثر، وتصبح سياسة المركزي مجرد ملاحقة متعثرة للسوق وليس قيادة حقيقية لثقة نقدية مستدامة.
(أخبار سوريا الوطن-الوطن السورية)
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد