“ليسوا أرقاماً”: رواية محمد بلال توثّق صمود الإنسان السوري في وجه القمع والنسيان


هذا الخبر بعنوان "“ليسوا أرقاماً”… شهادة روائية تكتب الإنسان في مواجهة القمع والنسيان" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تنسج رواية “ليسوا أرقاماً” للكاتب السوري محمد بلال تجربة سردية عميقة، أقرب ما تكون إلى السيرة الذاتية، تستعيد من خلالها واحدة من أقسى الفترات في التاريخ السوري المعاصر. تعتمد الرواية لغة اعترافية تنطلق من ضمير المتكلم، لتوثّق بدقة تحوّلات الإنسان تحت وطأة قمع النظام البائد.
تنطلق أحداث الرواية من عام 2014، مع تخرّج الكاتب من كلية الحقوق في جامعة دمشق، لتعود بالقارئ إلى بدايات الحراك الشعبي عام 2011، وما رافقه من تحولات مجتمعية عميقة طالت النسيج السوري. ومن خلال سيرة عائلة دمشقية تقيم في حي كفرسوسة، يرسم الكاتب ملامح حياة بسيطة، حيث يعمل الأب تاجراً في سوق الحريقة، ويُشكّل نموذجاً للإنسان العصامي، بينما يتوزع الأبناء بين الدراسة والعمل، قبل أن تنخرط العائلة تدريجياً في أتون الثورة.
تبلغ الرواية ذروتها مع لحظة اعتقال الأب وأبنائه على يد النظام البائد، واقتيادهم إلى أحد الأفرع الأمنية. هناك، يواجهون واقعاً قاسياً يتجلى في الاكتظاظ، والجوع، والمرض، والتعذيب، مقدّمةً صورة مكثفة لما عاشه آلاف المعتقلين. ويقدّم الكاتب وصفاً تفصيلياً للحياة داخل المعتقل، حيث تتلاشى الحدود بين الحياة والموت، ويصبح الإنسان مهدداً بالفناء الجسدي والنفسي، في بيئة تسلبه أبسط حقوقه الإنسانية.
لا تكتفي الرواية بسرد تجربة الاعتقال فحسب، بل تعود لتوثّق بدايات الحراك الشعبي في دمشق، من مظاهرات الأسواق والمساجد، إلى النشاط الطلابي في جامعة دمشق، وصولاً إلى تحولات المشهد نحو العمل المسلح. ويستعيد الكاتب تفاصيل تلك المرحلة، بما فيها من حماسة الشباب، والصدام مع الأجهزة الأمنية، والتحولات التي فرضها تصاعد العنف، في شهادة تحمل بعداً توثيقياً إلى جانب بعدها الإنساني.
وسط هذا الواقع القاسي، تحضر قصة حب تجمع الكاتب بزميلته، لتشكّل مساحة إنسانية مضيئة داخل النص، حيث يتقاطع العاطفي مع الوطني، ويمنح الحب معنى للصمود والاستمرار في وجه المحن.
بعد عام من الاعتقال، يخرج الكاتب مع إخوته، بينما يفقد والده وأخاه، في خسارة تترك أثراً عميقاً في مسار حياته. يختار بعدها مغادرة البلاد والعيش في الغربة، ويحول هذه التجربة لاحقاً إلى مشروع كتابة، يسعى من خلاله إلى توثيق ما جرى، وإعادة سرد الحكاية من منظور إنساني عميق.
في تصريح خاص لـ سانا، أوضح الكاتب محمد بلال أنه حاول من خلال الرواية “إعادة الأسماء إلى أصحابها بعد أن حُوّلت إلى أرقام”، مشيراً إلى أن العمل يهدف إلى تذكير القارئ بأن كل رقم يخفي قصة إنسان حقيقي، بكل ما يحمله من مشاعر وتجارب. وأضاف أن الرواية ليست مرافعة ولا تأبيناً، بل هي محاولة لسرد القصة كما عايشها، بوصفها تجربة إنسانية قبل أي شيء آخر.
من جانبه، يرى الناقد عبد المجيد عرفة أن الرواية تؤكد أن ضحايا الأحداث لم يكونوا مجرد أرقام، بل أفراد لكل منهم حياته وحلمه وحقه في الوجود. وأشار إلى أن العمل يحمل قيمة توثيقية مهمة، إذ يسلط الضوء على دور المجتمع الدمشقي في السنوات الأولى من الحراك، مقدماً شهادة من الداخل تسهم في حفظ الذاكرة الجماعية.
صدرت الرواية حديثاً عن دار نرد للنشر والتوزيع، وتقع في 240 صفحة، وتشكّل إضافة نوعية إلى الأدب التوثيقي الذي يسعى إلى حفظ تفاصيل الثورة السورية، عبر سرد يوازن بين الذاتي والعام، ويعيد للإنسان حضوره وكرامته في مواجهة محاولات اختزاله وتجريده من إنسانيته.
سياسة
سياسة
اقتصاد
اقتصاد