تفاقم التلوث يدفع قرى الحسكة إلى "الإغلاق البيئي" لحماية ينابيعها ومواقعها الطبيعية


هذا الخبر بعنوان "الحسكة.. قرى تلجأ إلى “الإغلاق البيئي” لحماية الطبيعة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع قدوم فصل الربيع، تتحول المناطق الريفية الممتدة بين القحطانية والمالكية، مرورًا بالجوادية ومعبدة، في ريف محافظة الحسكة الشمالي الشرقي، إلى قبلة لعشرات العائلات الباحثة عن متنفس طبيعي. تتميز هذه الأرياف بتنوع بيئي فريد، يضم سهولًا خضراء وينابيع عذبة وضفاف نهر دجلة، ما يجعلها وجهة مثالية للاسترخاء. إلا أن هذا الإقبال المتزايد تزامن مع تفاقم ملحوظ في مظاهر التلوث، أبرزها رمي النفايات عشوائيًا وإشعال النيران بين الأشجار، الأمر الذي أدى إلى تدهور بيئي خطير في العديد من المواقع الطبيعية. ويشير السكان المحليون إلى أن بعض الزوار يتعاملون مع هذه الأماكن كـ "مساحات مفتوحة بلا ضوابط"، متجاهلين كونها مصادر مياه حيوية ومواقع بيئية حساسة، ما ضاعف من حجم الأضرار خلال الفترة الماضية.
قرارات المنع.. "آخر الحلول"
في مواجهة هذا التدهور، اضطرت بعض القرى لاتخاذ إجراءات صارمة. ففي ريف القحطانية، قرر أهالي قرية علي بدران منع التنزه بالقرب من الينابيع المحيطة بالقرية، وذلك بعد تفاقم مشكلة تراكم النفايات وتلوث مصادر المياه. وبالمثل، اتخذ أهالي قرية الجارودية التابعة لمدينة المالكية قرارًا مماثلًا إثر تزايد رمي القمامة في المساحات الخضراء. لم تكن هذه القرارات مفاجئة، بل جاءت بعد سلسلة من المحاولات الفاشلة لتنظيم حركة الزوار، شملت تخصيص أماكن لرمي النفايات وتوجيه نداءات متكررة للحفاظ على النظافة. يؤكد السكان أنهم اتخذوا هذه الخطوة "مكرهين"، بعد أن تحولت مواقع طبيعية حيوية إلى مكبات نفايات مفتوحة، ما هدد استدامتها وأثر سلبًا على مصادر المياه فيها.
"ضاق بنا الحال".. شهادات من الأهالي
عبر سليمان أحمد، أحد سكان قرية علي بدران، في تصريح لعنب بلدي، عن استيائه من السلوكيات غير المسؤولة لبعض الزوار، والتي تتجلى في رمي النفايات وإشعال النيران وقطع الأشجار، مسببة أضرارًا بيئية جسيمة. وأوضح أحمد: "طلبنا من المتنزهين عدم زيارة القرية. لم نغلق أبوابنا إلا بعد أن ضقنا ذرعًا بتلوث ينابيعنا، وبالمشاكل التي يتركها بعض الزوار خلفهم. الطبيعة أمانة، والقرى بيوت أصحابها، ومن الواجب احترام هذه الأمانة". وأكد أن الأهالي بذلوا جهودًا سابقة لتنظيم الوضع، لكن تفاقم المشكلة دفعهم في النهاية إلى قرار المنع لحماية بيئتهم المحلية.
من جانبه، أشار عزيز علي، من الريف الشرقي للقامشلي، إلى أن مشكلة التلوث لم تعد مقتصرة على القرى فحسب، بل امتدت لتطال سد السفان، ما يرفع من مستوى الخطورة نظرًا لأهميته كمصدر لمياه الشرب بعد التكرير. وأضاف أن قرى أخرى مثل الزهيرية وعين ديوار وجم شرف تعاني من المشكلة ذاتها، داعيًا إلى ضرورة تعزيز الوعي البيئي لدى السكان والزوار على حد سواء.
سد السفان.. خطر يهدد مصدر المياه
يُعد سد السفان من المواقع الأكثر تضررًا من التلوث، حيث أدى رمي النفايات في محيطه إلى تلوث مياهه، على الرغم من كونه مصدرًا حيويًا لمياه الشرب لمدن رئيسية مثل المالكية ومعبدة والقامشلي. يحذر السكان من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة، خاصة في ظل شح الموارد المائية بالمنطقة، مما يجعل الحفاظ على جودة المياه أولوية قصوى. كما لفتوا إلى أن إشعال النيران في المناطق الحراجية المحيطة بالسد يهدد الغطاء النباتي ويخل بالتوازن البيئي.
خبير بيئي: "ما يحدث إنذار مبكر"
وفي تعليق على هذه التطورات، وصف الخبير البيئي مروان الحسن ما تشهده مناطق ريف الحسكة بأنه "مؤشر خطير على تراجع الوعي البيئي"، مشيرًا إلى أن لجوء الأهالي إلى قرارات منع التنزه يعكس غياب حلول مؤسسية فعالة. وأوضح الحسن أن رمي النفايات في البيئات الطبيعية لا يقتصر تأثيره على تشويه المنظر العام، بل يمتد ليشمل تلوث التربة والمياه، ويؤثر سلبًا على التنوع الحيوي، خاصة في المناطق الغنية بالينابيع والمسطحات المائية. وأكد أن الحل لا يكمن في المنع وحده، بل يتطلب "إطلاق حملات توعية بيئية مستمرة، وتوفير بنية تحتية ملائمة لإدارة النفايات، إلى جانب فرض رقابة حقيقية على السلوكيات المخالفة".
تعكس هذه الظاهرة حالة من التوتر بين حاجة السكان للترفيه والاستمتاع بالطبيعة، وضرورة الحفاظ على البيئة من التدهور. وفي ظل غياب التنظيم الفعال، وجد الأهالي أنفسهم أمام خيار صعب: إما السماح بالوصول إلى مناطقهم على حساب بيئتهم، أو إغلاقها مؤقتًا لحمايتها. ويرى الحسن أن هذه الإجراءات، رغم قسوتها، قد تكون حافزًا لإعادة النظر في آليات إدارة المواقع الطبيعية، سواء من خلال إشراك المجتمعات المحلية في حمايتها، أو عبر تدخل الجهات المعنية لوضع ضوابط واضحة للتنزه.
دعوات لتعزيز الوعي والمسؤولية
في ختام حديثهم، أكد الأهالي الذين التقتهم عنب بلدي أن حماية البيئة مسؤولية جماعية تبدأ من سلوك الأفراد ولا تقتصر على القرارات المحلية. ودعوا الزوار إلى احترام خصوصية القرى والحفاظ على نظافة الأماكن التي يرتادونها، مشددين على أن الطبيعة ليست ملكًا لأحد، بل إرث مشترك يجب صونه للأجيال القادمة. ومع استمرار هذه التحديات، يبقى السؤال مطروحًا حول قدرة المجتمعات المحلية والجهات المعنية على تحقيق التوازن بين الاستفادة من الطبيعة وحمايتها، دون الحاجة إلى إجراءات المنع التي قد تحرم الكثيرين من الاستمتاع بها.
سياسة
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي