قرية عكش بسلمية: جنة زراعية تتحول إلى بؤرة تلوث تهدد حياة السكان والأمن الغذائي


هذا الخبر بعنوان "من جنة زراعية إلى بؤرة تلوث.. قصة عكش المنسية في سلمية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تعيش قرية عكش في ريف سلمية الشرقي أزمة بيئية وصحية متفاقمة، نتيجة سوء تصريف الفضلات والمواد السامة الناتجة عن معامل الأجبان والألبان التي استأنفت عملها مؤخرًا في المنطقة. لم تقتصر هذه الأزمة على تلويث الهواء بالروائح الكريهة فحسب، بل امتدت لتطال المياه الجوفية، مهددة بذلك حياة السكان ودافعًا ببعضهم إلى النزوح. في المقابل، يعاني آخرون من أمراض جلدية وتنفسية وإسهال حاد، في ظل غياب أي استجابة طبية رسمية.
أوضح خالد العلاوي، أحد سكان قرية عكش، في حديثه إلى عنب بلدي، أن مشكلة التلوث بدأت تظهر بوضوح مع عودة معامل الجبن والحليب للعمل في القرى المجاورة. وأشار إلى أن أصحاب هذه المنشآت يقومون بصرف مخلفاتهم، التي تشمل المصل والفضلات السامة، في حفرة قريبة من سد لتجميع المياه. هذا الإجراء يؤدي إلى تسرب هذه المخلفات إلى مياه السد بدلًا من استخدام مجارٍ صحية نظامية، وذلك بهدف تقليل التكاليف.
وأضاف العلاوي أن نتائج الفحوص المخبرية التي أجريت في إدارة المياه بسلمية أظهرت أن المياه غير صالحة للشرب، مع تسجيل ارتفاع في غاز النتروجين ومواد سامة أخرى. وتابع قائلًا: "لم يعد التلوث مقتصرًا على الشرب فقط، فحتى المياه المستخدمة في التنظيف والغسيل تنبعث منها روائح تشبه المستنقعات، ما يجعل البقاء داخل المنازل أمرًا لا يُطاق".
من جانبه، بيّن زاهر العبد الله، أحد سكان القرية، لعنب بلدي، أن الأزمة تفاقمت على مدى أكثر من 15 يومًا، حيث بدأت بظهور روائح كريهة في المياه، ثم انتقل التلوث من بئر إلى أخرى، ليشمل نحو 20 بئرًا في الحي. وأضاف: "المياه ملوثة لدرجة أن رائحتها تلتصق باليدين ولا تزول إلا بغسلها بماء نظيف واستخدام العطور. كما تسببت مياه الصرف الصحي بتآكل البلاط وتضرر الزراعة بشكل كبير".
تسبب التدهور البيئي في زيادة ملحوظة في الأمراض التنفسية، خاصة حالات الربو والحساسية بين الأطفال، وفق ما أكده العلاوي. وأشار إلى أن بعض العائلات، ومن بينها عائلته، اضطرت إلى مغادرة منازلها والانتقال إلى مدينة سلمية.
وقدم زاهر العبد الله صورة أكثر قسوة عن الوضع الصحي، قائلًا: "انتشرت حالات الإصابة بمرض الجرب بشكل واسع بين الأهالي، ويعاني المصابون من حكة شديدة وظهور فطريات جلدية مؤلمة". وأضاف: "كما ظهرت حبوب كبيرة على الجلد، وتعاني ابنة أخي من إصابة جلدية شديدة. الأطفال يعانون من التهاب الأمعاء والإسهال والاستفراغ نتيجة شرب المياه الملوثة".
وتابع العبد الله: "لم يتم توزيع أي أدوية، ولم تزُر القرية أي جهة صحية لمعاينة الحالات. وعند استخدام الأدوية ثم العودة للاستحمام بالمياه الملوثة، تزداد الإصابات سوءًا".
وصف العبد الله معاناة الأهالي في تأمين مياه نظيفة، مشيرًا إلى أن السكان يضطرون لجلب المياه عبر الصهاريج، بينما ينتظر من لا يملك وسيلة نقل مساعدة الآخرين. ويقطع بعضهم مسافات تصل إلى 8 أو 9 كيلومترات للحصول على مياه صالحة. وأضاف أن الأهالي غير قادرين على استخدام مياه الآبار المنزلية حتى لأغراض الغسيل.
من جهته، قال العلاوي إن أزمة مياه الشرب تتفاقم، إذ يضطر الأهالي إلى شراء مياه الشرب المعبأة، ويصل سعر العبوة إلى 16 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من العائلات.
لا تقتصر المشكلة على تلوث المياه والأمراض، بل تمتد إلى تهديد غذائي، وفق ما قاله العلاوي. وأضاف: "الخضروات، وهي مصدر الرزق الأساسي للأهالي، تُسقى بمياه الصرف الصحي، ثم تُنقل إلى الأسواق، ما ينذر بمخاطر صحية على المستهلكين".
وأوضح أن مدينة سلمية تعتمد بنسبة 50% على خضروات منطقة عكش، حيث تدخل يوميًا شاحنات محملة بالخضروات، بينما تتراوح المساحات المزروعة المروية بالمياه الملوثة بين 70 و80 دونمًا.
رغم المناشدات المتكررة، وصف الأهالي الاستجابة الرسمية بأنها "ضعيفة"، وفق العلاوي، الذي قال إن الردود تقتصر على وعود بالدراسة أو الإشارة إلى ارتفاع تكاليف إنشاء محطات التكرير، التي قد تصل إلى 80,000 دولار للمحطة الواحدة.
ويطالب الأهالي بإلزام أصحاب المعامل بتركيب فلاتر وإنشاء محطات تكرير صغيرة، أو إغلاق المنشآت غير الملتزمة. وقال العلاوي: "القرية التي كانت تُعرف بهوائها النظيف وأشجار زيتونها، أصبحت اليوم مهددة بسبب التلوث". من جانبه، قال زاهر العبد الله: "نناشد الجهات المعنية التدخل العاجل، فالأمر لا يحتمل التأخير".
في المقابل، تمثل معامل الألبان والأجبان مصدر دخل رئيسيًا لما بين 500 و600 عائلة، وفق محمود الرجا، أحد أصحاب هذه المعامل. وأوضح أن هذه المنشآت تدعم قطاعات أخرى، مثل المحال التجارية ومحطات الوقود والأفران، وبعضها يصدر منتجاته إلى دول مجاورة. ورفض الرجا إغلاق المعامل، معتبرًا أن الحل يكمن في معالجة المخلفات، لا إيقاف الإنتاج، مشيرًا إلى إمكانية تحويل مصل الحليب إلى مواد نافعة في حال توفر بنية تحتية مناسبة.
قال رئيس بلدية قرية سوحا، حسين الخليف، لعنب بلدي، إن محاولات سابقة لمعالجة المشكلة فشلت، إذ أُنشئت حفرة تجميع لمنع وصول المخلفات إلى السد، لكنها تفيض باستمرار بسبب كميات المخلفات. وأضاف أن هناك تواصلًا مع مؤسسة الصرف الصحي ومديرية المنطقة، مع وعود بإجراء كشف ميداني من قبل "منظمة ضد الجوع".
وقدّر الخليف تكلفة إنشاء محطة معالجة رئيسة بين 80,000 و85,000 دولار، ما يتطلب دعمًا من منظمات دولية. وطرح أصحاب المعامل حلولًا بديلة، منها إنشاء حفر تجميع بمواصفات هندسية تمنع تسرب المياه، أو مد أنابيب لمسافة تصل إلى 20 كيلومترًا لنقل المخلفات إلى محطة معالجة في بلدة التل التوت.
وأشار الخليف إلى خيار آخر يتمثل في إلزام المعامل بإنشاء محطات معالجة صغيرة، بحيث تُستخدم المياه المعالجة لري المحاصيل غير المخصصة للاستهلاك المباشر. وكانت قرية عكش تُعرف سابقًا بجودة منتجاتها الزراعية، إلا أن عودة المعامل دون مراعاة الشروط البيئية حولتها إلى بؤرة تلوث تهدد السكان والمناطق المجاورة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي