الأموية في دمشق: رحلة مصطلح بين التاريخ والصراع وتشكيل الهوية


هذا الخبر بعنوان "أموية دمشق.. حكاية مصطلح خرج عن معناه" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بدأ الكاتب محمد غزوان شاهين منذ بضعة شهور بمتابعة سلسلة وثائقية يقدمها الصحفي سيد جبيل ويستضيف فيها الدكتور إبراهيم العسال، تتناول الخلافة الإسلامية عبر ألف عام. خلال متابعته للحلقات التي وصلت إلى مرحلة الفتنة الأولى والثانية والفترة الأموية، تذكّر مصطلحًا برز إبان سقوط النظام وهو «بني أمية».
بالبحث في معنى المصطلح، وجد الكاتب أنه استُخدم في سياق الصراع من قبل النظام وحلفائه، خاصة ضمن التحالف الإيراني الشيعي، كأداة عقائدية لتوجيه الرأي العام ضد المعارضة السورية ذات الميول الإسلامية. جرى وصف المعارضة بـ «بني أمية» لما يحمله هذا الوصف من دلالات سلبية مرتبطة بالصراع التاريخي مع أهل البيت. والمفارقة أن الطرف الآخر لم يرفض هذا التوصيف، بل تبناه مع الوقت لوصف نفسه، في تحول لافت لدلالة المصطلح. ازداد انتشار هذا الاستخدام بعد مرحلة التحرير، حيث اتجه بعض من وُجّهت إليهم هذه التسمية إلى تبنيها والتعبير عنها كهوية. ومع ذلك، فإن كثيرًا ممن يعرّفون أنفسهم اليوم بأنهم أمويون لا يمتّون إلى الأمويين بصلة مباشرة، لا عقائديًا ولا نسبيًا. لذا، بات من الضروري فهم هذا الموضوع وتحليل مسارات تطوره في الخطاب المعاصر.
تاريخيًا، كانت الأموية سلطة حاكمة بنت دولة قوية، وعملت على تعريب الدواوين، وأنتجت أول عملة عربية، ووسّعت رقعة الدولة الإسلامية. يمكن وصفها بأنها دولة عربية إسلامية ذات حضور قبلي عربي واضح، حيث لم يكن البعد الديني دائمًا المحدد الأول في إدارة الحكم أو الصراع عليه، بل كان التركيز على تثبيت السلطة وإدارتها. هذا لا ينفي مكانة الأمويين في التاريخ الإسلامي، ولا موقع شخصياتهم، وفي مقدمتهم معاوية بن أبي سفيان، الذي يُعد من الصحابة ومن كتّاب الوحي وفق معظم المصادر. كما يلفت النظر قدرتهم السياسية وحنكتهم في إدارة الدولة، من معاوية وصولًا إلى هشام بن عبد الملك، الذي يُعد من آخر الخلفاء الأقوياء. لم يكن التسلط الديني هو العامل الأساسي في الحكم، بل تعاملوا مع السلطة كشأن سياسي في المقام الأول، وتميزوا بقرب الحكام من الناس، حيث كانت حياتهم متداخلة مع المجتمع.
حاول النظام البعثي على مدى 60 عامًا استحضار المصطلح الأموي، ليس كتوصيف تاريخي دقيق، بل كرمز يُعاد توظيفه لخدمة فكرة أوسع تتعلق بالهوية القومية العربية. ربط دمشق بهذا الإرث، وقدمها كعاصمة أولى للعرب لتعزيز شعور الفخر والانتماء. غير أن هذا الاستحضار كان انتقائيًا، إذ ركز على عناصر القوة والتوسع وبناء الدولة، وتجاهل صراعات وتعقيدات ذلك التاريخ. والمفارقة أن المصطلح ذاته، الذي استُخدم يومًا لتعزيز الفخر القومي، عاد في سياق الصراع السوري ليُستخدم كأداة اتهام وإقصاء، قبل أن يتحوّل مرة أخرى، في بعض الحالات، إلى هوية يتبناها من وُجّهت إليهم هذه التسمية.
وهكذا، لم يعد المصطلح يحمل معنى ثابتًا، بل أصبح يتشكل وفق السياق الذي يُستخدم فيه، ويعكس موقع المتحدث أكثر مما يعكس حقيقة تاريخية واضحة. يبقى السؤال: هل نحن أمام قراءة للتاريخ أم صناعة جديدة له بلغة الحاضر؟ رغم كل هذا التحول في سياقات الصراع، فإن معناه الأعمق لا يزال حاضرًا في وجدان المدينة نفسها. فالأموية ليست شعارًا عابرًا، ولا توصيفًا يتقلب مع المزاج والمواقف، ولا أداة دعائية لتجميل خطاب سياسي. أموية دمشق، في وجدان أهلها، ليست انتماءً مغلقًا، بل تعبير عن نمط حضاري تشكّل عبر قرون، يقوم على التعايش والتسامح ومدنية الدولة. لا علاقة لها بالسجالات التي تحاول الانتقاص من دمشق أو تصنيف أهلها، ولا صلة لها بادعاءات التفوق أو الطائفية، بقدر ما هي امتداد لتاريخ مدينة عرفت كيف تحتضن التناقض دون أن تنكسر. دمشق، التي يستند مسجدها إلى كنيسة من جهة، وإلى حانة من جهة أخرى، لم تكن يومًا مدينة ذات لون واحد، بل فضاءً مفتوحًا لتجارب متعددة. في هذا السياق، لم يكن غريبًا أن يخرج الشاعر المسيحي الأخطل من مجلس عبد الملك بن مروان، ليقول: «والنصر ينزل في مواطن لهونا فنرجع الجد حينًا بعد ما نلعب».
بهذا المعنى، تصبح الأموية إحدى طبقات الهوية السورية، مثلها مثل حمدانية حلب، وأيوبية حماة، وآرامية حمص، وآشورية الحسكة. وكونها أموية لا ينقص من عمق دمشق التاريخي، بل يضيف إليه فصلًا جديدًا، ويمنحها بعدًا آخر في سلسلة ممتدة من الحضارات. إنها ببساطة إحدى الجواهر التي تزيّن التاج الدمشقي، وإذا أبصرت أرض دمشق يومًا رأيت بها الجلالة والسنوسا.
ثقافة
ثقافة
سياسة
ثقافة